اخبار عالمية

جائزة فلسطين العالمية للآداب في دورتها الثالثة: حين تصبح الكلمة حارسًا للذاكرة وصوتًا للعدالة

مهدي سليماني

ناشط ثقافي دولي

 

في زمنٍ تتسابق فيه الصور والأخبار على تشكيل الوعي العالمي، لم تعد قضية فلسطين مقتصرةً على الأرض والحقوق السياسية؛ إنها أيضًا معركة على الذاكرة والمعنى، وعلى حق الإنسان الفلسطيني في أن يروي تاريخه بصوته، لا أن يُختزل في روايات الآخرين. من هنا تكتسب جائزة فلسطين العالمية للآداب، في دورتها الثالثة، أهمية تتجاوز الاحتفاء بالكتب إلى الدفاع عن الحقيقة الإنسانية والثقافية لشعبٍ يواجه الاحتلال والتهجير والاجرام الصهيوني.

تأتي هذه الدورة في لحظة شديدة الحساسية، بعدما كشفت مأساة غزة حجم المعاناة التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني، وما تتعرض له الحياة اليومية والمؤسسات الثقافية من دمار. وقد وثّقت اليونسكو، حتى الرابع والعشرين من مارس/آذار 2026، أضرارًا لحقت بمئة وأربعة وستين موقعًا ثقافيًا في القطاع. وحين تُدمَّر المكتبات والمعالم والبيوت، يصبح الأدب ذاكرةً بديلة تحفظ أسماء الأماكن ووجوه أصحابها وحكايات العائلات، وتقاوم تحويل المأساة إلى أرقام عابرة.

ولا تكمن قوة الأدب الفلسطيني في توثيق الألم وحده، بل في قدرته على تقديم الفلسطيني إنسانًا كاملًا: طفلًا يحلم، وأمًّا تنتظر، وشابًّا يحب، وعائلةً تتشبث بلغتها وبيتها ومفاتيحها ومقاوما يقاوم لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر. فالقصيدة والرواية والمذكرات وقصص الأطفال تستطيع أن تعبر الحدود النفسية واللغوية التي تعجز التقارير السياسية أحيانًا عن تجاوزها. وبذلك تُعيد القضية إلى جوهرها: كرامة البشر وحقهم في الحرية والأمان والذاكرة.

وتبرز أهمية الجائزة أيضًا في مواجهة محاولات تزييف التاريخ ومحو الهوية الفلسطينية، وفي التصدي للخطابات الصهيونية التي تبرر الانتهاكات أو تُهمّش أصوات الضحايا. غير أن الرواية الأدبية الأقوى ليست تلك التي تكتفي بالشعارات، بل التي تستند إلى التجربة الصادقة، والتوثيق المسؤول، والجمال الفني؛ فصدقية العمل وإبداعه هما ما يمنحانه القدرة على الصمود أمام الدعاية والتحريف.

ومن المهم أن تفتح هذه الجهود مساحةً للإنصات إلى تنوع التجربة الفلسطينية: حياة القرى والمدن، وتجارب اللاجئين والأسرى، وذاكرة النساء، وأسئلة الأجيال في المنافي والمقاومين والشهداء و الجرحى. فحماية الرواية من التحريف لا تعني إنتاج صورة واحدة جامدة عن الشعب، بل إتاحة فسحة لشهاداته وآماله.

وقد خُصصت الدورة الثالثة للاحتفاء بأعمال منشورة بين عامي 2023 و2026، في الرواية والقصص القصيرة والشعر والمسرح والمذكرات وأدب الأطفال، مع الانفتاح على لغات عالمية متعددة. وهذه السعة ليست تفصيلًا تنظيميًا؛ إنها إعلان أن فلسطين ليست موضوعًا أدبيًا محليًا، بل قضية إنسانية عالمية يجب المشاركة في سردها من مختلف ثقافات العالم.

وقد أثبتت الدورة الأولى في بيروت عام ٢٠٢٢ و الدورة الثانية في بغداد عام ٢٠٢٤، أن الجائزة قادرة على جمع مبدعين من بلدان وخلفيات مختلفة حول فلسطين. ويمنح هذا التراكم للدورة الثالثة فرصة للانتقال إلى بناء شبكة ثقافية دائمة، يكون فيها القارئ العالمي شريكًا في اكتشاف الأدب الفلسطيني، لا مجرد متلقٍّ لأخبار الحرب.

والجائزة ليست مناسبة تكريمية بل حركة ثقافية مستدامة، الذي تسعى أن تقترن بالترجمة والنشر العابر للحدود، وإيصال الأعمال إلى الجامعات والمكتبات ومعارض الكتب والمنصات الرقمية، وتشجيع الكتاب الشباب، والأدباء من مختلف الدول. كما أن التعاون مع مؤسسات أدبية دولية وإقامة قراءات وندوات وورش كتابة هو من أهداف أن يكون أثرها بعيدًا عن موسم الجوائز.

إن الرهان الحقيقي على الدورة الثالثة ليس عدد الأعمال المتنافسة فحسب، بل تسعى من أجل تحويل التضامن العابر إلى معرفة عميقة، والمعرفة إلى مسؤولية أخلاقية.

فعندما تظل الحكاية الفلسطينية حاضرةً في ضمير العالم، يصبح محوها أصعب، وتغدو الكلمة شاهدًا على الظلم، وجسرًا نحو العدالة، وأفقًا لحياة يستحقها الفلسطينيون بكرامة وحرية وتحرير ارضهم من وجود الاحتلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى