المسيّرات الإثيوبية في مرمى الدبلوماسية السودانية.. الخرطوم تكشف أدلة وتلوّح بحق الدفاع عن السيادة بقلم احمد اسماعيل حسن

المسيّرات الإثيوبية في مرمى الدبلوماسية السودانية.. الخرطوم تكشف أدلة وتلوّح بحق الدفاع عن السيادة
بقلم احمد اسماعيل حسن
في تطور جديد يعكس اتساع الأبعاد الإقليمية للحرب في السودان، صعّدت الحكومة السودانية تحركاتها الدبلوماسية تجاه إثيوبيا، متهمةً إياها بالسماح باستخدام أراضيها منطلقاً لهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع مدنية ومنشآت حيوية داخل السودان، في اتهامات وضعتها الخرطوم في إطار تهديد أمنها القومي وانتهاك سيادتها الوطنية.
وجاءت هذه التطورات في أعقاب المؤتمر الصحفي الذي عقده وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي، السفير معاوية عثمان خالد، بمشاركة مسؤولين حكوميين وأمنيين، حيث عرض الجانب السوداني أدلة فنية وبيانات لمسارات الطيران وصور فضائية تشير إلى انطلاق مسيّرات من داخل الأراضي الإثيوبية، من بينها مطار بحر دار، وفقاً لما أوردته تقارير صحفية عن المؤتمر.
وتضع هذه الاتهامات العلاقات السودانية الإثيوبية أمام اختبار دبلوماسي وأمني معقد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال الحرب السودانية إلى مرحلة تتشابك فيها العمليات العسكرية مع حسابات النفوذ الإقليمي والصراعات العابرة للحدود.
أدلة فنية واتهامات تتجاوز حدود المعركة
لم يقتصر الطرح السوداني على تسجيل اعتراض سياسي على الهجمات، بل اتجه، وفقاً للتقارير المنشورة، إلى تقديم ما وصفه المسؤولون السودانيون ببيانات فنية وإحداثيات لمسارات الطيران وصور فضائية، إلى جانب عرض حطام مسيّرات، باعتبارها مؤشرات على أن الهجمات انطلقت من مواقع داخل الأراضي الإثيوبية.
وتكمن أهمية هذه المعطيات في أنها تنقل القضية من دائرة الاتهامات السياسية المتبادلة إلى مجال الأدلة الفنية التي يمكن إخضاعها للفحص والتحقق المستقل، بما في ذلك تحديد نقاط الإقلاع، ومسارات الطيران، وطبيعة المسيّرات المستخدمة، والجهات التي تولت تشغيلها أو توفيرها.
ومع ذلك، فإن إثبات المسؤولية القانونية عن هذه الهجمات يتطلب تحقيقاً مستقلاً في الأدلة المعلنة، والتحقق من مصادرها وسلامتها، وتحديد الصلة بين مواقع الإطلاق والجهات التي تقف وراء العمليات.
وفي هذا السياق، فإن التحدي أمام الدبلوماسية السودانية لا يتمثل فقط في إعلان الاتهامات، بل في تحويل ما تملكه من معلومات إلى ملف متكامل قابل للفحص أمام المؤسسات الدولية والجهات القانونية المختصة.
المنشآت الحيوية والمدنيون في دائرة الاستهداف
تكتسب الاتهامات خطورتها من طبيعة المواقع التي تعرضت للهجمات، إذ شملت محطات كهرباء ومستودعات وقود ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، إلى جانب مواقع مدنية أخرى في عدد من الولايات.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «سودان تريبيون» في 28 أكتوبر 2026، تحدث مسؤولون سودانيون عن هجمات استهدفت منشآت للطاقة والوقود في ولايات الخرطوم والجزيرة والبحر الأحمر، كما أشاروا إلى انقطاع الكهرباء في مناطق متأثرة بهذه الضربات.
ولا تتوقف آثار استهداف البنية التحتية عند الأضرار المادية المباشرة، بل تمتد إلى الخدمات الصحية، وإمدادات المياه، والأنشطة الزراعية والصناعية، وحياة المواطنين الذين يعتمدون على الكهرباء والوقود في تسيير شؤونهم اليومية.
كما أن اضطراب إمدادات الطاقة يضيف أعباء جديدة على جهود التعافي وإعادة تشغيل المؤسسات والخدمات، ويزيد من معاناة السكان في بلد أنهكت الحرب موارده وألحقت أضراراً واسعة ببنيته التحتية.
ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين الأهداف العسكرية والمنشآت المدنية، وضمان حماية السكان والأعيان المدنية، وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.
الخرطوم: السيادة الوطنية خط أحمر
عكست تصريحات وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي، وفقاً للتقارير المنشورة، تمسك السودان بحقه في حماية أراضيه ومواطنيه، مع التأكيد على احتفاظه بحقه في الدفاع عن نفسه وإطلاع المجتمع الدولي على ما يعتبره اعتداءات تستهدف أمنه واستقراره.
وتحمل هذه الرسالة أبعاداً تتجاوز الجانب العسكري؛ إذ تسعى الخرطوم إلى تثبيت موقفها القائل إن الحرب لم تعد محصورة في المواجهات الداخلية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وإنما أصبحت، وفقاً للرواية الرسمية السودانية، مرتبطة أيضاً بتدخلات وإسناد خارجيين.
وفي هذا الإطار، فإن طرح القضية أمام المجتمع الدولي يمثل محاولة لإخضاع الاتهامات للفحص والمساءلة، وحشد موقف دولي يرفض استخدام أراضي الدول المجاورة منصةً لشن هجمات على دولة أخرى.
غير أن فاعلية التحرك الدبلوماسي ستظل مرتبطة بوضوح الأدلة، واستمرار توثيق الوقائع، وتحديد المسؤوليات بصورة دقيقة، بعيداً عن الاكتفاء بالمواقف السياسية العامة.
إثيوبيا والعلاقات بين الشعبين
على الرغم من حدة الاتهامات الموجهة إلى الحكومة الإثيوبية، نقلت التقارير عن السفير معاوية عثمان خالد تمييزه بين الموقف من الحكومة الإثيوبية والشعب الإثيوبي، مع الإشارة إلى حرص السودان على علاقات جيدة بين الشعبين.
ويمثل هذا التمييز نقطة مهمة في إدارة الأزمة؛ فالتوتر السياسي والأمني لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شعبية أو خطاب يستهدف المواطنين على أساس الجنسية أو الانتماء الوطني.
لكن الحفاظ على الروابط التاريخية والاجتماعية بين الشعبين لا يلغي ضرورة معالجة الاتهامات الرسمية، ولا يعفي أي جهة يثبت تورطها من المساءلة وفقاً للقانون.
وتظل المصالح المشتركة بين البلدين، بما فيها أمن الحدود والاستقرار الإقليمي والتبادل التجاري، عوامل تجعل معالجة الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية والآليات القانونية أمراً بالغ الأهمية.
وفي المقابل، فإن نفي إثيوبيا دعمها للهجمات، بحسب ما أوردته تقارير إعلامية، يضع القضية أمام ضرورة التحقق من الأدلة المتاحة والاستماع إلى ردود الأطراف المعنية، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات على أساس الوقائع.
اختبار للمجتمع الدولي
تضع التطورات الأخيرة المؤسسات الدولية أمام مسؤولية التعامل الجاد مع المعلومات المتعلقة باستخدام الطائرات المسيّرة في استهداف البنية التحتية والمناطق المدنية.
فإذا ثبت أن هجمات انطلقت من أراضي دولة مجاورة واستهدفت منشآت مدنية داخل السودان، فإن الأمر يستدعي بحث المسؤوليات القانونية المترتبة على ذلك، وفقاً للقانون الدولي والقواعد المنظمة لاستخدام القوة والعلاقات بين الدول.
كما أن التحقيق في مصدر المسيّرات، والجهات التي وفرتها، ومسارات انتقالها، والجهات التي أصدرت أو نفذت أوامر التشغيل، من شأنه أن يساعد على تحديد المسؤولية بصورة أكثر دقة، بدلاً من ترك القضية رهينة الاتهامات المتبادلة.
ويحتاج السودان، في هذا السياق، إلى توثيق الأضرار والخسائر، وحفظ الأدلة الفنية، وإتاحة المعلومات ذات الصلة للجهات المختصة، مع المطالبة بتحقيق مستقل وشفاف يحدد الوقائع والمسؤوليات.
من الاحتجاج الدبلوماسي إلى المساءلة
تكشف هذه القضية عن تحول مهم في طبيعة إدارة السودان لملف التدخلات الخارجية المرتبطة بالحرب، من خلال الجمع بين الإعلان السياسي عن الاتهامات وتقديم ما تقول الحكومة إنه أدلة فنية، مع التلويح باللجوء إلى المؤسسات الدولية المختصة.
لكن نجاح هذا المسار لن يقاس بحدة التصريحات وحدها، وإنما بقدرة السودان على بناء ملف موثق، وتقديم أدلة قابلة للتحقق، ومتابعة القضية عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية المناسبة.
وفي المحصلة، فإن حماية السيادة السودانية لا تنفصل عن حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، كما أن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يتطلب منع تحول أراضي الدول المجاورة إلى ساحات خلفية للصراع.
وبين خطورة الاتهامات والحاجة إلى التحقق المستقل، تبقى الرسالة الأساسية أن أمن السودان ليس شأناً داخلياً معزولاً عن محيطه، وأن أي تهديد عابر للحدود ينبغي أن يُعالج على أساس الأدلة والقانون، بما يضمن حماية المدنيين وصون سيادة الدول ومنع اتساع دائرة الحرب.
