مقالات الرأي
أخر الأخبار

عندما تقود المرأة الحلم..قصة نجاح سيدة التحرير الأولى عائشة سليمان أيقونة سوداناو

عائشة سليمان بريمة.. ضوء البيت الذي أضاء فضاء “سوداناو”

 

عندما تقود المرأة الحلم..قصة نجاح سيدة التحرير الأولى عائشة سليمان أيقونة سوداناو

 

من أول امرأة تتولى رئاسة تحرير المجلة إلى قيادة التحول الرقمي وترسيخ المهنية.. مسيرة صحفية عنوانها الدقة والأمانة والإيمان بالمؤسسة.

 

في اليوم العالمي للمدير.. عائشة سليمان بريمة ضوالبيت: أنموذج القيادة بالأمانة والدقة مديرة من ذهب.. حلقت بـ سوداناو إلى الفضاء..

 

رقية الشفيع

 

الخرطوم (سوداناو) – لم تكن الأستاذة عائشة سليمان بريمة ضوالبيت مجرد أول امرأة تتولى رئاسة تحرير مجلة «سوداناو»، إنما كانت واحدة من أبرز الوجوه التي أسهمت في ترسيخ حضورها واستمرار رسالتها الصحفية. فمنذ توليها المسؤولية عام 2014، قادت المجلة عبر مرحلة امتدت ثمانية أعوام، جمعت فيها بين صرامة التحرير، ودقة العمل، والقدرة على إدارة التفاصيل المهنية والإدارية في مؤسسة إعلامية عريقة.

 

وفي مسيرتها، لم يكن النجاح مرتبطاً بالموقع الإداري وحده، وإنما بما استطاعت أن تبنيه من ثقة داخل المؤسسة، وبما أتاحته من فرص للكتاب والصحفيين، ولاسيما النساء والشابات، للإسهام في المحتوى وتطوير حضور المجلة في الفضاء الرقمي.

 

ومع حلول اليوم العالمي للمدير، تبرز تجربة عائشة سليمان بوصفها نموذجاً للقيادة التي تستمد قيمتها من العمل اليومي، والانضباط المهني، وتقديم نجاح المؤسسة على الأضواء الشخصية.

 

من أبوحجار إلى رحاب الصحافة

 

بدأت رحلة عائشة سليمان في مدينة أبوحجار بولاية سنار، حيث تلقت تعليمها الأساسي، قبل أن تنتقل إلى سنجة لإكمال المرحلة الثانوية. ثم التحقت بجامعة الخرطوم، وتخرجت في كلية الآداب عام 1982 حاصلة على بكالوريوس علم النفس، وكانت المرأة الوحيدة ضمن الدفعة الأولى في هذا التخصص، بحسب المعلومات المتاحة عن مسيرتها.

 

وفي عام 1983، انضمت إلى وكالة السودان للأنباء «سونا»، لتبدأ مساراً مهنياً جمع بين العمل الصحفي والتحرير باللغة الإنجليزية، في بيئة تتطلب دقة عالية في الصياغة، ومتابعة مستمرة للأحداث، وقدرة على تقديم المادة الإخبارية للقارئ بوضوح وموضوعية.

 

عملت في القسم الإنجليزي، وأسهمت في إعداد ونشر المواد ضمن إصدارات الوكالة المختلفة، بما في ذلك النشرات العالمية والقومية، إلى جانب مجلة «ويكلي ريفيو» الأسبوعية، التي عُرفت باهتمامها بالبحث والتقصي وجودة المحتوى. وقد شكّلت هذه التجربة رصيداً مهنياً مهماً، مهّد لانتقالها لاحقاً إلى قيادة «سوداناو»، المجلة الإنجليزية التي تتطلب طبيعة عملها الجمع بين الخبر والتحليل والتغطية المتعمقة للشأن السوداني.

 

وامتدت تجربتها إلى مؤسسات ومطبوعات أخرى؛ إذ نشرت في الثمانينات مواد في إصدارات مجموعة صحيفة «الشرق الأوسط»، ومجلة «المسلمون»، ومجلة «سيدتي»، المجموعة التي كان يديرها الأستاذ محمد أحمد هشام. كما عملت ضابط مطبوعات في جمعية بابكر بدري العلمية النسوية بجامعة الأحفاد، أوائل التسعينات، وأسهمت في إصدار مجلة الجمعية «Women» باللغتين العربية والإنجليزية.

 

وفي السنوات الأوائل من الألفية، عملت مراسلة لوكالة «رويترز»، وغطت أحداثاً في السودان، في تجربة أضافت إلى خبرتها معرفة أوسع بمتطلبات التغطية الإخبارية الدولية ومعاييرها المهنية، كما نشرت بعدها تقارير عن المرأة السودانية في وكالة الأنباء الدولية Women Features Service

 

أول امرأة تقود «سوداناو»

 

في عام 2014، تولت عائشة سليمان بريمة رئاسة تحرير مجلة «سوداناو»، لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب منذ تأسيس المجلة في سبعينيات القرن الماضي، وفقاً للمعلومات الواردة عن تاريخها. كما تُنسب إليها أسبقية تولي امرأة رئاسة تحرير مطبوعة صحفية سودانية غير ناطقة بالعربية، وهو إنجاز يكتسب أهميته من طبيعة المجال الإعلامي الذي ظلت مواقع قيادته، تاريخياً، محدودة الحضور النسائي.

 

جاءت إلى المنصب بخبرة تراكمت عبر سنوات من العمل الصحفي والتحرير والترجمة، لكنها واجهت مسؤولية تتجاوز الإشراف على المواد المنشورة؛ إذ كان عليها الحفاظ على انتظام صدور المجلة، وتطوير محتواها، وإدارة علاقاتها بالكتاب والمساهمين، والتعامل مع التحديات المالية والإدارية، في وقت كانت فيه المؤسسات الصحفية تواجه تحولات متسارعة في أساليب النشر والوصول إلى الجمهور.

 

ويشير رئيس التحرير الأسبق، الأستاذ محمد عثمان آدم، الذي أعاد إحياء «سوداناو» إلكترونياً بعد توقف نسختها الورقية، إلى أن عائشة سليمان أسهمت بصورة أساسية في تعزيز استمرارية المجلة وترسيخ نهجها المهني.

 

ويقول آدم إن من أبرز ما تحقق خلال فترة رئاستها تأمين تمويل مستدام، وتوسيع قاعدة المساهمات التحريرية، والانتقال من الصدور الشهري إلى الأسبوعي، مع الحفاظ على تغطية منتظمة للشأن السوداني، بعيداً عن التدخلات اليومية للسلطة التنفيذية في العمل التحريري.

 

إدارة التفاصيل وصناعة الثقة

 

في المؤسسات الإعلامية، لا تتوقف مسؤولية رئيس التحرير عند اختيار الموضوعات أو مراجعة النصوص؛ فخلف كل عدد يصدر شبكة من المهام التحريرية والإدارية والمالية، تتطلب تنسيقاً دقيقاً والتزاماً بالمواعيد.

 

وفي «سوداناو»، تولت عائشة سليمان جانباً كبيراً من هذه المسؤوليات بنفسها. فإلى جانب الإشراف على المحتوى ومراجعته وتنقيحه، تعاملت مع الملفات السياسية الحساسة، وتابعت شؤون الكتاب والمساهمين، وأسهمت في إدارة الجوانب المالية، بما في ذلك الرواتب والحوافز والمستحقات.

 

ويؤكد محمد عثمان آدم أن طبيعة العمل في المجلة كانت تضع معظم هذه المهام على عاتق رئيس التحرير، في ظل محدودية الكادر المخصص للتحرير والإدارة والسكرتارية والمراجعة اللغوية.

 

وتكشف هذه التفاصيل جانباً أقل ظهوراً في تجربة عائشة؛ فالقيادة في الصحافة لا تُقاس بما يظهر على صفحات المجلة فحسب، وإنما أيضاً بالقدرة على إبقاء المؤسسة قادرة على العمل، وحماية استقلالية قرارها التحريري، وبناء علاقة مهنية مستقرة مع العاملين والكتاب.

 

وقد ارتبطت فترة رئاستها، بحسب ما يورده زملاء ومتابعون لتجربتها، بالحرص على دقة المحتوى وجودة المراجعة، وبانخفاض الحاجة إلى التصويبات اللاحقة، إلى جانب غياب الشكاوى المعروفة من الكتاب وقضايا النشر، وهي مؤشرات تعكس أهمية المراجعة الدقيقة في العمل الصحفي.

 

وعلى الرغم من الإشادات التي تلقتها، ظلت عائشة تميل إلى عدم نشر عبارات الثناء الموجهة إليها، انطلاقاً من قناعة بأن ما يتحقق من نجاح هو ثمرة عمل جماعي، وأن التقدير ينبغي أن يشمل المؤسسة والعاملين فيها.

 

أبواب مفتوحة للأجيال الجديدة

 

لم تقتصر بصمتها على انتظام العمل وتطوير المحتوى؛ فقد أتاحت مساحة أوسع أمام مساهمين جدد، خاصة النساء والشابات، للمشاركة في الكتابة والعمل على منصات التواصل الاجتماعي التابعة للمجلة.

 

ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه التجربة رقية الشفيع، ومنى رحمة، وتقوى فتح الرحمن، وعصماء النكاس، إلى جانب مساهمين آخرين من داخل المؤسسة وخارجها.

 

كما استعانت المجلة، خلال فترة رئاستها، بعدد من الصحفيين والكتاب والمصورين، من بينهم الكاتب الصحفي الدولي السر سيد أحمد، الذي سبق أن تولى رئاسة تحرير المجلة في عهدها الورقي، والشاعر محمد نجيب، والدكتور يحيى الحسن، مراسل وكالة الأنباء الإفريقية «بانا»، والأستاذ محمد علي سعيد، مراسل وكالة الصحافة الفرنسية «فرانس برس»، والصحفي صلاح شعيب، والمصورين محجوب محمد الحسن ومجدي عبدالله.

 

وقد أتاح هذا التنوع رفداً للمجلة بخبرات مختلفة، وأسهم في توسيع نطاق مساهماتها التحريرية، وتعزيز حضورها بوصفها منصة تستوعب أصواتاً وتجارب متعددة.

 

وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في العمل الإعلامي؛ لأن تطوير المؤسسة لا يتحقق بالمحافظة على ما لديها من خبرات فحسب، بل أيضاً بفتح المجال أمام وجوه جديدة، ومنحها فرصة اكتساب الخبرة والمشاركة في صناعة المحتوى.

 

حضور أوسع وجوائز مهنية

 

تحت إشراف عائشة سليمان، واصلت «سوداناو» تطوير حضورها التحريري والرقمي، وحققت حضوراً أوسع في المشهد الإعلامي، مع اهتمام بالمحتوى الذي يعرّف القارئ بالسودان وتنوعه الثقافي والاجتماعي وثرائه الحضاري والاقتصادي وانجازات ابنائه في كافة المجالات.

 

ومن بين الجوائز التي نالتها المجلة خلال تلك المرحلة جائزة أفضل تقرير عن مهرجان الأغذية السودانية التقليدية عام 2018، وهو تكريم يعكس أهمية التغطية التي توثق الموروث المحلي وتقدمه إلى جمهور أوسع.

وتم اختيار المجلة عام 2025 للجائزة الإفريقية

DIGIALlY FIT AWARDS

ضمن قائمة افضل ثلاثة مطبوعات بناء على تقييم إقليمي يستند إلى إستمرارية الحضور الرقمي وجودة المحتوى.

 

ولم يكن اهتمام عائشة بالعمل الصحفي منفصلاً عن اهتمامها باللغة والترجمة. فقد درست الماجستير في وحدة الترجمة والتعريب بجامعة الخرطوم وتلقت تدريبا على الترجمة الفورية في الوحدة الاقتصادية لأفريقيا بأديس ابابا، وشاركت في مشروعات لترجمة موسوعات عربية متعددة الجنسيات، كما عملت مترجمة متعاونة مع مكتب منظمة اليونيسيف بالخرطوم، إضافة إلى ترجمة كتابين إلى العربية:

A Man Called Deng

Majok

للدكتور فرانسيس دينق، و

Nuba Mountains: In Search of the Lost Wisdom

للدكتور حامد إبراهيم.

 

ويكشف هذا المسار عن اهتمام يتجاوز نقل الأخبار إلى نقل المعرفة، وإتاحة الأعمال الفكرية والأدبية للقارئ العربي، بما يربط بين الصحافة والترجمة والتوثيق الثقافي.

 

إبراهيم إسحاق.. تكريم قبل الرحيل

 

ومن المحطات التي تعتز بها عائشة سليمان تنظيم المنتدى الإعلامي الذي أقامته «سوداناو»، بالتعاون مع «سودابيديا»، لتسليط الضوء على تجربة الروائي السوداني إبراهيم إسحاق، والدعوة إلى ترجمة أعماله وإيصالها إلى قراء أوسع.

 

وشهد المنتدى مشاركة عدد كبير من النقاد والكتاب، في محاولة لإعادة تقديم تجربة روائية سودانية ذات خصوصية فنية وثقافية، وتعزيز الاهتمام بها خارج نطاقها المحلي إذ يرى بعض النقاد أن أعمال إبراهيم إسحاق تستحق حضوراً أوسع في المشهد الأدبي العالمي.

 

وقد مثّل اللقاء، الذي انعقد قبل وفاة الروائي بوقت قصير، مناسبة للاحتفاء بتجربته والاعتراف بقيمتها وهو على قيد الحياة، بدلاً من تأجيل التقدير إلى ما بعد الرحيل.

 

وتكشف هذه المبادرة عن جانب آخر من رؤيتها للعمل الإعلامي؛ إذ يمكن للمجلة أن تكون أكثر من نافذة للأخبار، لتتحول إلى مساحة تحفظ الذاكرة الثقافية، وتفتح النقاش حول الأدب والفكر، وتدعم حضور المبدعين السودانيين.

 

ضوء المؤسسة لا أضواء الفرد

 

تختصر تجربة عائشة سليمان بريمة ضوالبيت مساراً مهنياً تشكل عبر الصحافة والتحرير والترجمة، ثم اتخذ في «سوداناو» صورته الأبرز من خلال إدارة مؤسسة إعلامية في مرحلة اتسمت بالتحول الرقمي وتزايد التحديات المهنية والمالية.

 

فقد جمعت بين خلفية أكاديمية في علم النفس، وخبرة ممتدة في العمل الإخباري، ومعرفة بمتطلبات النشر باللغة الإنجليزية، وقدرة على التعامل مع تفاصيل التحرير والإدارة. كما تركت بصمتها في توسيع فرص المشاركة، والاهتمام بالتراث الثقافي، وتشجيع المبادرات التي تمنح الأدب السوداني مساحة أوسع للتعريف والانتشار.

 

وفي اليوم العالمي للمدير، تبدو سيرتها مناسبة للتأمل في معنى القيادة داخل المؤسسات الصحفية: أن تُدار التفاصيل بأمانة، وأن تُصان المهنية بالمراجعة والدقة، وأن تتقدم مصلحة المؤسسة على الرغبة في الظهور الشخصي.

 

هكذا ارتبط اسم عائشة سليمان بريمة بلقب «ضوالبيت»؛ ضوء يستمد قيمته من أثره في المكان، ومن قدرته على إبقاء النوافذ مفتوحة أمام المعرفة والإبداع، ومن الإيمان بأن المؤسسة القوية تُبنى بجهود فريق، لا بجهد فرد واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى