القابض على الجمر والغارق في الارتزاق.. أُعطيتم الفرصة فأعطيتمونا الجرق يا للعب، أن يتحدث خالد سلك عن مولانا أحمد هارون.

القابض على الجمر والغارق في الارتزاق.. أُعطيتم الفرصة فأعطيتمونا الجرق
يا للعب، أن يتحدث خالد سلك عن مولانا أحمد هارون.
أن يتحدث من سلم البلاد وهي تنزف، عن رجل ظل قابضا على جمر القضية منذ أن تحركت جموع ديسمبر 2019، صابرا محتسبا، لم يبدل ولم يتراجع، ولم يساوم على وطنه بدرهم ولا بدينار.
أحمد هارون ليس سياسيا من ورق، ولا ناشطا من ناشطي الفنادق والمنظمات. هو رجل دولة عرفه أهل السودان في الميدان، وعرفته شمال كردفان على وجه الخصوص، حيث أحدث ما عجزت عنه حكومات متعاقبة.
في ولايته، تحولت الأبيض من مدينة منسية إلى عاصمة تنبض بالحياة. طرق تشق الفيافي، ومياه تصل إلى القرى التي ظلت عطشى لعقود، ونفير هز الولاية كلها فأعاد لها كرامتها. كان واليا يجلس مع الفقراء في الأسواق، ويبيت مع أهله في القرى، ويسمع شكوى المواطن قبل أن يسمع تقرير المسؤول. لذلك أحبه الناس، ولذلك ظل اسمه محفورا في وجدان كردفان، لا تمحوه حملات التشويه ولا أبواق المنظمات.
وأين كان خالد سلك وأعوانه حينها؟
كانوا في عواصم الخارج، ينتظرون إشارة المستعمر، ويتقاضون رواتبهم من أموال المنظمات والسفارات، ثم عادوا بعد ديسمبر على ظهر ثورة لم يصنعوها، فاستلموا بلدا آمنا مستقرا، فسلموه للمستعمر على طبق من ذهب.
أُعطيتم الفرصة، فماذا قدمتم؟
لقد أُعطي خالد سلك وأعوانه فرصة لم تُعط لأحد في تاريخ السودان. استلموا السودان وشارع كامل معهم، وتعاطف دولي غير مسبوق، وحكومة مدنية مدعومة من الجميع، وخزينة دولة يمكن إصلاحها لو وجدت إرادة حقيقية.
لكن بدل ما يستثمروا الفرصة في البناء، دخلوا في ثلاثة أخطاء قاتلة أوصلت البلد للحرب والدمار.
أولا: الإقصاء بدل التوافق
أول ما استلموا السلطة، كان شعارهم “أي كوز ندوسو دوس” وتحول عندهم من شعار ثوري إلى برنامج حكم. أقصوا كل من يخالفهم، حتى من داخل قوى الثورة نفسها. أي زول ما معاهم بقى “كوز” و”فلول” و”عدو للثورة”. النتيجة: البلد انقسمت نصفين، وخلقوا لأنفسهم أعداء في كل مكان، بدل ما يلموا البلد حول مشروع وطني واحد.
ثانيا: الاعتماد على الخارج بدل الداخل
بدل ما يبنوا اقتصادهم من الزراعة والذهب والثروات الموجودة، رهنوا البلد كله للبعثات الأجنبية والمنظمات والمساعدات. قرار السودان بقى يتشاور فيه في السفارات قبل ما يتشاور فيه في مجلس الوزراء. ولما اختلف الخارج مع الداخل، سقطت الحكومة وبقي البلد بلا غطاء. هم ما حكموا السودان، هم أداروه بالوكالة عن الخارج.
ثالثا: الفشل في معاش الناس
الشعب طلع في ديسمبر عشان العيش والوقود والدواء، مش عشان الشعارات. في عهدهم، الدولار طار من 60 جنيه لأكثر من 400، والصفوف زادت، والكهرباء قطعت، والمستشفيات وقفت. المواطن البسيط حس أن الثورة سرقت منه، وأن الذين جاؤوا باسمه أكلوا باسمه ولم يقدموا له شيئا غير الخطابات والورش.
ولما فشلوا في الحكم المدني، هربوا للأمام. بدل ما يعترفوا بالفشل ويرجعوا للشعب، دخلوا في تحالفات مع الدعم السريع ومع القوى الخارجية، ووقعوا الاتفاق الإطاري الذي قسم الجيش وقسم الشارع، وكان هو الشرارة التي فجرت الحرب.
أي خيانة أكبر من هذه؟
خيانة أن تبيع وطنك مقابل مقعد في الوزارة، وأن تبيع ثورة شعبك مقابل حفنة من الدولارات، وأن تبيع جيشك وشعبك مقابل رضا السفير الفلاني والمنظمة العلانية.
ثم يأتي اليوم خالد سلك، الذي فرّ من الحرب التي تسبب فيها، ليحدثنا عن الوطنية والثورة والحرية؟
إن الفرق بين الرجلين شاسع، كالفرق بين السماء والأرض.
أحمد هارون همه الوطن. همه أن يبقى السودان واحدا موحدا، وأن يبقى الجيش صامدا، وأن يعود الأمن لأهل السودان. لم يهرب، ولم يتاجر، ولم يخن.
وخالد سلك همه العمالة والارتزاق. همه أن يرضى عنه أسياده في الخارج، ولو على حساب دماء السودانيين وخراب ديارهم. يتحدث عن الديمقراطية وهو أول من ذبحها، ويتحدث عن السيادة وهو أول من باعها.
لقد تحدث هارون فعرفناه، رجل دولة، ورجل مبدأ، ورجل مواقف لا تتبدل.
وتحدث سلك فعرفناه، صوت الارتزاق، وصوت الخيانة، وصوت من سلموا البلاد للمستعمر ثم هربوا يتباكون عليها من الفنادق.
والتاريخ لا يرحم. سيكتب أن في السودان رجالا قبضوا على الجمر، وآخرين قبضوا ثمن الوطن.
