بصمات فى لوح الزمان: فى وداع الخليفة الطيب الجد. بقلم/ د.جلال يوسف الدقير

بصمات فى لوح الزمان: فى وداع الخليفة الطيب الجد.
بقلم/ د.جلال يوسف الدقير
يقول الله تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) ﴿١٥٦﴾ سورة البقرة . صدق الله العظيم. و صدق النبي الكريم إذ قال: “إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُهُ منَ النَّاسِ، ولَكن يقبضُ العلمَ بقبضِ العُلماءِ، حتَّى إذا لم يترُك عالمًا اتَّخذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا، ضلو وأضلُّوا”.
و نسب للصحابي الجليل عبد الله بن مسعود و غيره من صلحاء الأمة و سلفها الصالح قولهم :
“إذا مات العَالِمُ انْثَلَمَ في الإسلامِ ثُلْمَةً لا يَسُدُّهَا شيٌء إلى يومِ القيامةِ”
إنها و الله المصيبة و الثلمة التي لا تسد بترجل العلماء الربانيين حملة ألوية جيوش الرحمن في مدافعة و مجاهدة النفس و جنود الشيطان و عبورهم من فوقنا عروجاً نحو مقاماتهم المؤبدة عند من إليه الرجعى و المنتهى و إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه،،
منذ منتصف القرن التاسع الى يومنا هذا فسحة زمنٍ تشكّلت فيها فى منطقة ام ضبان و انحاءها لوحة خالدة و رويت فيها قصة نبيلة لم يكن رواتها و مشكّلوها من رواة الأسمار و ترف القول و المقال بل كانوا أباء صدق ميامين مهرت أناملهم في تشكيل شرافات القرءان الكريم على الألواح و الزُبر،،،
و صدحت حناجرهم بآيات الذكر الحكيم لهم بها دوي كدوي النحل زمن الربيع و دندنة كدندنة المستهام حينما يلوح له طيف من الحبيب في النوم أو في ” الصحيان” و هذا هو ديدنهم منذ عهد الجد المؤسس عالي المقام ود ريا الرشيد و ما أدراك من هو محمد العبيد ود بدر سمتاً و رقةً و ذوقاً و شعاعاً واسع الطيف في الدين و الحكمة و الإجتماع و على نسجه و نوله و منواله سار خلفاؤه و أبناؤه و طبقات متراكمة من التلاميذ و المريدين كلهم ملتمس منه وصلاً غرفاً من اليم أو رشفاً من الديم خلفاً يتلو سلفاً إلى أن تساوقت أسباب العناية و الإصطفاء حتى تجمعت كلها و أحكمت و أبرمت ثم أجمعت على الراحل عنا صاحب السماحة و الفضيلة خليفة الأسلاف الماضين و قيدومة الباقيين مولانا الخليفة:
الطيب الجد الشيخ العباس فشمر لها و أحسن قيادها و أحكم أمرها و ساسها بالحكمة و توغل فيها بالرفق و لِمَ لا يكون ذلك كذلك؟
فهو من ولد و ترعرع طفلاً و قد ربته تلك الأيدي التي برعت في تلوين شرافات القرءان حتى ضربت بها الأمثال و التشبيهات فقيل: ” فركة قرمصيص زي شرافة البادراب”و ضُربت إليها أكباد الإبل و الدواب من أقصى بلاد تكرور غرباً و من أقاصي بلدان الحبش و العفر شرقاً فضلاً عن أهل السودان الذين أمّوا رحاب ود بدر بغية قرءانه و شرافته ذرافات ذرافات،،،
و في تلك الأجواء تربى و نشئا و ترعرع خليفتنا الراحل و عاش فيها طفولة مفعمة بالترتيل و التجويد و الحفظ كغيره من عامة الطلاب و ليس ذلك وحده بل كما كان له ورده من الذكر و له سُبعه من الحفظ كذلك كان له حظه من الخدمة خدم طلاب القرءان كما خدم المرضى و ذوي الحاجات المعنوية و المادية و سلاسل الأضياف التي لم تنقطع منذ عصر الجد المؤسس و إلى يوم الناس هذا و بدأ مذ ذاك الوقت الباكر من طفولته في التعود على تحمل مسؤولية ” عجين ود بدر”
و ” كِسرة أب غرة” للطالبين من أهل الحاجة الدائمة الراتبة أو أولئك الملتمسين للبركة و الطالبين للإستشفاء ” و ما أعظمها من مسؤولية أورثته صبراً و جلداً ثم حنكة و دربةً ثم قدرةً على ترتيب الأولويات و تقدير الموقف و إيجاد المناسب من الحلول و المعالجات. إن الصفات التي إكتسبها في تلك المرحلة كانت هي مدماك التأسيس لشخصيّته فحافظ على توازنه النفسي منفتحاً على الثقافات و المعارف المتنوعة في غير ما إستلاب
و في سوح التقاضي و قاعات التحاكم كان لفقيدنا قاضي العدالة صولات و جولات شُهد له فيها بأهم صفاته التي تميز بها شهد له بحسن الإستماع و بدقة التدوين و بضبط و ترتيب القضية و بعدم الإستعجال في إصدار الأحكام فضلاً عن توخيه لروح العدالة قبل نصوصها تنقل في المحاكم أفقياً و تدرج في مراقيها رأسياً و تلمس بيديه أنواع القضايا و تفحصها بعقله و أصدر فيها أحكامه و قرارته بكل يقينه و قناعته حتى أن بعض أحكامه عُد في السوابق القضائية،،
أوصلته عدالته و دقته و إتقانه و علمه بالقوانين إلى مصاف المحكمة العليا فكان من أميز رؤساء دوائرها
لكن لابد من أم ضواً بان أو “أم ضبان” و إن طال السفر و بَعُد التسيار و تباعدت خطاه كان هنالك نداء من الأسلاف الأماجد من لدن الجد المؤسس إلى خليفة الوقت و الأوان أن وصلت إليك النوبة و وقع عليك سهم التكليف و أتته خلافة ود بدر الرشيد تسعى تعنيه هو وحده دون غيره
فشمر لها عزمه و عزيمته و كده و جده فأخذها بحقه و حقها فدانت و لانت له و توحدت فيه فشرع يستل من جنباتها مخارز التشنج و الإعتوار و خلافة ود بدر هذه ليست بالخلافة الصغيرة و إدارتها ليست بالأمر السهل الهيّن هي من حيث المساحة الجغرافية و العديد البشري و المؤسسات الإجتماعية و التربوية و التعليمية في حجم بعض الدول لكن راحلنا المقيم قام بذلك كله و زيادة حتى زادها بهاءاً و نضاراً على ما فيها
قبل نحو من خمس سنوات بلغ الاحتقان السياسى و الاجتماعى مبلغاً عميقاً. و منذ وقتها تبينت ملامح هذه الحرب الغشوم الظلوم. سعى الراحل العزيز مستصحباً ارث اباءه الميامين فكان ميلاد مبادرة أهل السودان يختم بها سجله الحافل بالمبادرات الإصلاحية و المصالحات الإجتماعية و الإنفتاحات الكبرى على الآخرين يهدم جُدر القطيعة و يُجسّر خنادق التمترس و يزيل بذور الوقيعة فكان الختام مسكاً و طيباً على طيب فهم القوم لا يشقى جليسهم و لا يضل الدائر في فلكهم،،،،
كان راحلنا المقيم عالماً عاملاً زاهداً… كان فقيهاً متضلعاً و أصولياً حاذقاً ملماً بأمهات القضايا و شواردها له أراءه و رؤاه في كثير من موارد الخلاف و الإختلاف.
هذّه شذرات قليلات و إضاءات خافتات من سجل حافل بالمكرمات و العطاءات و المروءات نقدمها في وداع هذا الطود الذي رحل عنا ليبقى السجل و تبقى المآثر و تلك العطاءات و المروءات نوراً و ناراً و شرافةً في لوح الزمان.
اللهم أحسن إستقباله و أكرم نزله و إجعله عندك من أهل الميزة و المزية و من أهل المعية و الزمرة المرضية إلى جوار الفاتح الخاتم و الآ ل الأطهار و الصحب الأبرار و أهل السبق الأعلام اللهم لا تجعل رحيله و رحيل أمثاله من الصلحاء إنتزاعاً و قبضاً لعلمك و بركاتك من بيننا و هيئ لنا من أمرنا رشدا
العزاء موصول لكل اهله و تلاميذه و عارفى فضله و لاهل السودان قاطبة و لاحول ولا قوة الا بالله.