
نجود حبيب.. حين تنتصر المهنية على وجع الفقد
بقلم: إدريس هشابه
على مشارف نهاية إقامتي بمدينة بورتسودان، والتلفزيون القومي يخطو خطواته نحو الانتقال الكلي للبث من استوديوهاته الرئيسة بأم درمان، استوقفتني كلماتٌ مضمّخة بالوفاء نشرتها الزميلة النابهة، مقدمة البرامج التلفزيونية نجود حبيب، عبر صفحتها على “فيسبوك”، تترحّم فيها على والدتها في الذكرى الأولى لرحيلها. كان لوقع تلك الكلمات أثرٌ إنساني عميق، دفعني لأن أؤثر الحضور إلى التلفزيون؛ مواساةً لها أولًا، ثم متابعةً لبرنامجها “رسائل للوطن” من داخل غرفة الكنترول، حيث تُصاغ اللحظة قبل أن تعبر إلى الناس. الذي يبث بعد العاشرة من مساء كل خميس
هناك، رأيت ما لا تلتقطه الكاميرا؛ حزنًا خافتًا يسكن الملامح خلف الكواليس، لكنه يتوارى تمامًا تحت وهج الهواء. وما إن تبدأ الحلقة، حتى تتبدّل الصورة: حضورٌ متماسك، صوتٌ دافئ، وإدارةٌ واثقة للحوار، دون أن تتسرّب إشارة واحدة لما يعتمل في الداخل. إنها احترافية عالية تُجسّد معنى أن يكون الإعلام رسالة قبل أن يكون أداءً، وأن المذيع الحقيقي هو من يُحسن العبور بالناس، حتى وهو يثقل بقلبه الخاص.
ولم تكن هذه الصورة مفاجئة لي؛ فقد تعمّقت معرفتي بنجود خلال فترة عملنا معًا في البث المشترك إبّان الحرب، ذلك البث الذي جمع كوكبةً من الإعلاميين من التلفزيون القومي وقنوات النيل الأزرق والبحر الأحمر والشمالية وكسلا عبر شاشة واحدة. في تلك الظروف الاستثنائية تكشّفت معادن الناس، فكانت نجود، ومعها شقيقتها نهى، مثالًا نادرًا للأخاء الصادق والدعم الإنساني الذي لا يُقال بقدر ما يُفعل. هناك أدركت أن ما يظهر على الشاشة ليس تمثيلًا، بل امتدادٌ لحقيقةٍ راسخة في الداخل.
وفي لحظة لم تكن في الحسبان، حيّتني على الهواء مباشرة، كما تفعل مع كثيرين من المتداخلين من داخل السودان وخارجه، في حوارات قصيرة لكنها عميقة، تختصر المسافات، وتنسج خيوط الألفة، وتؤكد أن الوجدان السوداني واحد، وأن كل أجزائه لنا وطن، مهما تباعدت الجغرافيا وتباينت الظروف.
هناك بدا “رسائل للوطن” أكثر من برنامج؛ بدا مساحةً للصدق، ونافذةً مفتوحة على مشاعر الناس، وميزانًا دقيقًا لنبض الشارع. فمثل هذه البرامج التفاعلية تظل ترمومترًا حقيقيًا لقياس النجاح، لأنها لا تكتفي بنقل الصوت، بل تصنع المعنى، وتمنح كل متداخل إحساسًا بأنه جزء من الحكاية الوطنية.
وتتجلى قيمة هذا النوع من الإعلام في قدرته على إعادة صياغة العلاقة بين الشاشة والجمهور؛ علاقة تقوم على القرب والإنصات والاعتراف المتبادل. فحين يشعر المشاهد أن صوته مسموع، وأن تجربته تجد صدى، يتحول البرنامج من مجرد بثٍ يومي إلى فضاءٍ جامع، يعيد ترميم ما تكسّر، ويقوّي خيوط الانتماء.
التحية للزميلة نجود حبيب، وهي تقدّم نموذجًا مضيئًا يجمع بين الحس الإنساني والصلابة المهنية، ويؤكد أن الإعلام يمكن أن يكون رسالة نبيلة في أحلك الظروف. والتحية موصولة لفريق العمل: مبارك بركة، خالد رمضان، وريمان، الذين يصنعون معًا هذا الدفء العابر للشاشة، ويبرهنون أن العمل الجماعي، حين يُبنى على الإخلاص، يصبح أثرًا باقيًا في وجدان الناس.
هكذا، لا يكون الإعلام مجرد مهنة… بل وطنًا آخر، يسع الجميع.