
الفن السوداني بين إرث الرواد وضحيج التفاهة
بقلم :إدريس هشابه
تابعتُ، كما تابع غيري، بكثيرٍ من الأسى والإشفاق، ما أُثير حول قضية المطربة إيمان الشريف وما ارتبط بها من جدلٍ مع “البرنس”. وهي، في تقديري، ليست سوى واحدة من عشرات الوقائع التي طفت على السطح مؤخرًا، وقدّمها بعض من يُطلقون على أنفسهم “نجومًا” في هذا الزمن المضطرب، حيث اختلطت الأضواء بالضوضاء، وغابت القيمة وسط زحام التفاهة.
إن ما نشهده من فضائح وسلوكيات مستهجنة لا يمس أصحابها وحدهم، بل ينعكس سلبًا على صورة السودانيين كافة، تلك الصورة الذهنية الزاهية التي شيّدها الآباء الأوائل بعرقهم وأخلاقهم وإبداعهم. صورةٌ كانت تُقدَّم للعالم بوصفها مرآةً لشعبٍ كريم، رصين، ومترع بالقيم. غير أن هذا الانفلات الإعلامي والسلوكي جعلنا، في أحيانٍ كثيرة، مادةً للتندر، في وقتٍ تمر فيه البلاد بظروفٍ استثنائية، حربٌ لا تستهدف الأرض وحدها، بل الإنسان والتاريخ معًا.
وفي خضم هذه العواصف، كان الأولى بأهل الفن أن يرتقوا إلى مستوى الحدث، وأن يدركوا أن الفن رسالةٌ ومسؤولية، وأنه قادر—إن صَدَق—أن يكون سفيرًا للقضية، وناطقًا باسم الوطن، ومرآةً تعكس آلامه وآماله. لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الفن يمكن أن يحقق ما عجزت عنه السياسة، حين يحمل وجع الناس بصدق، ويخاطب العالم بلغةٍ إنسانية تتجاوز الحدود.
ولنا في تاريخنا القريب نماذج مضيئة لفنانين كانوا أقرب إلى نبض الشارع من أي وقتٍ مضى. يكفي أن نستحضر تجربة محمد وردي الذي جعل من صوته نشيدًا للحرية، ومن أغانيه وقودًا للوعي الجمعي، وكذلك محمد الأمين الذي ظل حاضرًا في وجدان الناس، يعبر عن قضاياهم بصدقٍ وعمق. ولا يمكن إغفال مصطفى سيد أحمد الذي انحاز للإنسان البسيط، وغنّى للكرامة والألم والأمل، فصار صوتًا لا يُنسى في ذاكرة الوطن.
هؤلاء لم يكونوا مجرد فنانين، بل كانوا ضميرًا حيًا، وشهودًا على عصرهم، يدركون أن الشهرة ليست هدفًا، بل وسيلة لخدمة قضية أسمى.
ومن هنا يبرز السؤال المشروع: أين دور الجهات التي ينتمي إليها هؤلاء الفنانون اليوم؟ وأين الآليات التي تضبط الأداء والسلوك، وتحفظ للفن مكانته وللمجتمع قيمه؟ إن غياب المساءلة، وتراخي المؤسسات، يفتحان الباب واسعًا أمام مزيدٍ من الانحدار، ويجعلان الساحة عرضة لكل من هبّ ودبّ، دون معيارٍ أو ضابط.
إن استعادة هيبة الفن لا تكون بالمصادرة أو التضييق، بل بإحياء القيم، وتعزيز الوعي، ودعم النماذج الجادة التي تحترم عقول الناس وتخاطب وجدانهم. فالفن، في نهاية المطاف، هو تاريخٌ يُكتب، وصورةُ وطنٍ تُعرض للعالم—إما أن تكون مشرقة، أو باهتة، ونحن من يختار.