كفّوا أقلامكم عن والي الخرطوم… حين يتقدّم الفعل على الضجيج بقلم: إدريس هشابه

كفّوا أقلامكم عن والي الخرطوم… حين يتقدّم الفعل على الضجيج
بقلم: إدريس هشابه
مع تسارع وتيرة العودة الطوعية هذه الأيام، تتعاظم الحاجة إلى الخدمات الأساسية في الخرطوم: مياه، كهرباء، صحة، وقبلها الأمن باعتباره عماد الاستقرار في أي مدينة. والخرطوم، بوصفها قلب البلاد، بدأت تستعيد عافيتها بوتيرة لافتة قياسًا بحجم الدمار الذي خلّفته الحرب.
الذين عايشوا المشهد عن قرب، أو عادوا إلى العاصمة عقب تطهيرها، كانوا يقدّرون أن رحلة التعافي ستستغرق سنوات طويلة. غير أن ما تحقق خلال فترة وجيزة يشي بجهد استثنائي، لعبت فيه لجنة الفريق إبراهيم جابر و والي الخرطوم دورًا محوريًا، حتى بدت العودة أقرب إلى ما يشبه استعادة الروح في جسد أنهكه النزف.
في خضم هذا الحراك، برزت بعض الأصوات التي تنتقد أداء والي الخرطوم، وتصف حكومته بالعجز. وهي أحكام، وإن بدت قاطعة، إلا أنها تفتقر إلى إدراك تعقيدات المرحلة. فمن يطلقها غالبًا لم يكن حاضرًا في ذروة الأزمة، حين كان الوالي يمثّل عنوانًا للصمود، وحكومةً تمشي على قدمين: يتابع الخدمات، يسند المؤسسات، يرفع المعنويات، ويبعث برسائل طمأنينة إلى مواطن أنهكته الحرب.
إن التحديات الراهنة ليست خافية: تفشّي حمى الضنك نتيجة بؤر المياه الراكدة داخل المنازل المهجورة، الضغط المتزايد على البنية التحتية مع عودة السكان، وحجم الخراب الذي يتطلب ميزانيات تفوق قدرات حكومة الولاية بكثير. ومع ذلك، فإن عجلة العمل لم تتوقف، بل تمضي في ظروف شحيحة الموارد، معتمدة على الإرادة قبل الإمكانات.
التجارب الدولية تؤكد أن التعافي بعد الحروب لا يقدر بالأيام، بل بالعقود. ففي العراق بعد 2003، استغرقت إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية سنوات طويلة رغم الدعم الدولي. وفي لبنان عقب الحرب الأهلية، احتاجت العاصمة بيروت إلى عقود لتستعيد كامل بريقها. أما رواندا، فقدمت نموذجًا في التعافي، لكنه لم يتحقق إلا عبر مسار طويل من العمل المؤسسي الصبور والاستقرار الأمني.
بهذا المعيار، فإن ما تحقق في الخرطوم خلال فترة وجيزة يُعد إنجازًا لا ينبغي التقليل من شأنه أو اختزاله في خطاب نقدي متعجل. فالنقد مطلوب، بل ضروري، لكن بشرط أن يكون منصفًا، مدركًا للواقع، ومسنودًا بالحقائق لا بالانطباعات.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تضافر الجهود لا تشتيتها، وتعزيز الثقة لا تقويضها. فبناء المدن بعد الحروب ليس مهمة فرد أو حكومة فحسب، بل مسؤولية وطن بأكمله.
كفّوا أقلامكم عن جلد الواقع، ووجّهوها نحو دعم ما يُبنى، لا هدم ما بدأ يتشكل. ففي الخرطوم اليوم، ثمّة جهد يُرى… ويستحق أن يُنصف.
