مقالات الرأي
أخر الأخبار

الجامعة العربية ومتلازمة الفشل بقلم :إدريس هشابه

الجامعة العربية ومتلازمة الفشل

بقلم :إدريس هشابه

منذ اندلاع الحرب في السودان، ظلّ الرهان الشعبي على الجامعة العربية يتراجع يوماً بعد آخر، لا سيما مع تكرار عجز جامعة الدول العربية عن اتخاذ مواقف حاسمة تجاه القضايا المصيرية التي تواجه بعض دولها الأعضاء. وجاء فشل مجلس الجامعة العربية مؤخراً في إجازة مشروع قرار يدين العدوان على السودان بالطائرات المسيّرة التي انطلقت من الأراضي الإثيوبية ــ بحسب ما أوردته تقارير ومداولات سياسية بسبب اعتراض الامارات وتم تأجيل استصدار القرار إلى يوم الاثنين ولن يكون هناك جديد ــ ليعكس مرة أخرى حجم الضعف البنيوي الذي أصاب هذا الكيان، ومدى خضوع قراراته لحسابات النفوذ والتوازنات السياسية أكثر من خضوعها لمقتضيات التضامن العربي أو حماية الأمن القومي العربي.
لقد بات واضحاً أن السودان لا ينبغي له أن يعلّق آماله كثيراً على مؤسسة إقليمية أثبتت التجارب محدودية تأثيرها في أزمات المنطقة الكبرى. فهذه الجامعة، التي عجزت لسنوات عن حسم ملفات أكثر تعقيداً وخطورة، تبدو اليوم غير قادرة حتى على إصدار موقف سياسي داعم لدولة عضو تتعرض لحرب مدمرة تهدد وحدتها واستقرارها وسيادتها الوطنية.
وفي المقابل، فإن ما كشفته تقارير أممية وتحقيقات صحفية دولية نشرتها كبريات الصحف والقنوات العالمية حول الدعم الخارجي للتمرد، والتورط غير المباشر لبعض القوى الإقليمية في تغذية الصراع من بينها الإمارات إثيوبيا وحفتر ليبا وتشاد وكينيا، يؤكد أن السودان يواجه معركة تتجاوز حدود الداخل، وتتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية بصورة معقدة. غير أن إدراك هذه الحقيقة لا ينبغي أن يقود إلى الإحباط أو الارتهان للمواقف الخارجية، بل إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية والانطلاق من الداخل بوصفه نقطة القوة الحقيقية.
إن التجارب الدولية تؤكد أن الدول لا تُحترم ببيانات الشجب ولا بالاعتماد على الكيانات الضعيفة، وإنما تُفرض مكانتها عبر تماسكها الداخلي وقدرتها على بناء مشروع وطني قوي ومستقر. فدول عديدة تجاوزت عزلة المؤسسات الإقليمية وضعفها، ونجحت في فرض احترامها إقليمياً ودولياً عندما بنت جبهتها الداخلية وأعلت مصالحها الوطنية فوق الخلافات الضيقة. وتجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية، وفيتنام بعد الحرب الطويلة، وحتى الصين التي واجهت لعقود محاولات الاحتواء والعزل، كلها نماذج تؤكد أن الإرادة الوطنية والتنمية والاستقرار الداخلي هي الطريق الحقيقي نحو استعادة المكانة الدولية.
وعليه، فإن الأولوية بالنسبة للسودان اليوم ينبغي أن تتمثل في تعزيز الجبهة الداخلية، ومنع أي محاولات لشق الصف الوطني أو استغلال التباينات السياسية والاجتماعية لإضعاف الدولة. كما أن بناء تحالفات دولية قائمة على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الوطنية يظل خياراً أكثر واقعية من انتظار مواقف عاطفية أو بيانات موسمية من مؤسسات فقدت كثيراً من فاعليتها.
وفي هذا السياق، يصبح التوافق على مشروع وطني جامع ضرورة لا تحتمل التأجيل؛ مشروع يستوعب جميع السودانيين دون إقصاء، ويعالج أخطاء الماضي بشجاعة ومسؤولية، ويؤسس لدولة تقوم على التداول السلمي للسلطة، واحترام المؤسسات، وسيادة حكم القانون. كما أن تقوية القوات المسلحة ودمج الحركات المسلحة ضمن جيش وطني مهني وفق ضوابط واضحة، يمثلان ركيزة أساسية لحماية الدولة ومنع تكرار سيناريوهات الانفلات والحروب.
السودان لا تنقصه الموارد ولا الإمكانيات، فهو بلد غني بثرواته الطبيعية، وموقعه الجغرافي، وموارده البشرية، وتاريخه الحضاري. لكنه يحتاج إلى مشروع دولة حقيقي، وإلى إرادة سياسية قادرة على تحويل هذه المقومات إلى عناصر قوة واستقرار. وعندما ينجح السودان في بناء دولته القوية والمتماسكة، فإن العالم سيضطر إلى احترامه والتعامل معه بوصفه رقماً مهماً في معادلات الإقليم، لا ساحة مفتوحة للتدخلات والصراعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى