عبد الكريم ابراهيم يكتب؛ د. إبراهيم ود بنت الحسين.. رحيل النبع الذي لا ينضب

عبد الكريم ابراهيم يكتب؛
د. إبراهيم ود بنت الحسين.. رحيل النبع الذي لا ينضب
الموت هو الحقيقة التي لا يغفل عنها عاقل، وهو السطر الأخير في كتاب الحياة، يذكّرنا بأن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن العبرة ليست بطول العمر وإنما بحسن الأثر. قال تعالى: كل نفس ذائقة الموت، وعلينا ان نكثر من ذكر هادم اللذات ليبقى القلب متيقظاً والروح متصلة بالآخرة.
لقد كان الدكتور إبراهيم محمد إبراهيم عبد الهادي البدوي مثالاً للرجل الذي جمع بين العلم والخلق، وبين الزهد والوفاء، وبين الحكمة والإنسانية. وُلد في حلفاية الملوك في ثلاثينيات القرن الماضي من أسرة عريقة تنتمي للحافضاب المشايخة وعُرف ببرّه بوالديه حتى لُقّب بـ”ود فاطمة بت الحسين”، وكان ذلك تاجاً على رأسه ودليلاً على وفائه.
كان عالماً مثقفاً، زاهداً متواضعاً، عفيفاً شفيفاً، ملماً بالأنساب وصلة الأرحام، محباً للناس ومحبوباً بينهم. عمل معلماً بالمدارس الثانوية، ثم إدارياً ناجحاً بجامعة الخرطوم حتى تقلد منصب مسجل كلية الطب البيطري ، وأستاذاً جامعياً بها. نال الدكتوراه في الفلسفة، والماجستير في الدراسات البيئية من جامعة الخرطوم، والبكالوريوس في الآداب إضافة إلى دبلوم فن التعليم من الجامعة الأمريكية ببيروت عام 1962. امتلك مكتبة قيمة، واحتفظ بوثائق ومكاتبات نادرة في شتى ضروب المعرفة، وكان مرجعاً اجتماعياً يلجأ إليه المتخاصمون لحل بعض النزاعات الأسرية ، خاصة في قضايا الأراضي.
كان ملتزماً بالصلوات في المسجد، حاضراً في أفراح الناس وأتراحهم، وكرّم في العديد من المناسبات كرمز من رموز حلفاية الملوك والوطن.
رحل الدكتور إبراهيم إلى رحمة الله تعالى يوم الاثنين 11 مايو 2026 بالقاهرة ودفن بها ، تاركاً وراءه إرثاً من العلم والخلق والوفاء. لقد كان كالنخلة الباسقة، تؤتي أكلها كل حين، وكان كالسراج المنير يضيء دروب من حوله، وكان كالنهر الرقراق يروي القلوب قبل العقول.
نسأل الله أن يتغمد فقيدنا د. إبراهيم بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وأن يجعل البركة في أبنائه: طارق، هشام، أحمد، فاطمة، رندا ، رشا، إلهام ، وأن يرحم زوجته الوفية (طيبة) الطيبة التي رحلت قبله بعام في القاهرة بعد معاناة من النزوح واللجوء بسبب الحرب العبثية البغيضة .
اللهم اجعل قبرهما روضةً من رياض الجنة، واجمعهما في الفردوس الأعلى، وألهم ذويهما الصبر والسلوان، واجعل ذريتهما امتداداً لخيرهما وصدقةً جاريةً لهما إلى يوم الدين.
إنا لله وإنا إليه راجعون، وهي الكلمة التي تختصر كل معاني الصبر واليقين عند الفقد، وتجعل الموت موعظةً باقيةً في القلوب، وتبقي ذكرى الراحلين العظام حيّةً في وجدان الأمة.
إلى جنات الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الراحل المقيم د. إبراهيم ود بنت فاطمة الحسين
