الرقص فوق جراح الوطن بقلم : إدريس هشابه

الرقص فوق جراح الوطن
بقلم : إدريس هشابه
في اللحظات التي تُختبر فيها الأمم، لا يكون السؤال الحقيقي عن عدد البنادق فقط، بل عن مستوى الوعي الجمعي، وعن قدرة المجتمع على صون المعاني الكبرى التي دفع الناس ثمنها دمًا ودموعًا. وما تابعناه مؤخرًا من مقاطع مصورة لشباب يتراقصون بصورة مستفزة، وبهيئات أقرب إلى الابتذال والانسلاخ من القيم، لا يمكن النظر إليه باعتباره “حرية شخصية” معزولة عن السياق العام، بل هو انعكاس خطير لخلل عميق في البناء الأسري والتربوي والثقافي.
قبل أشهر قليلة فقط، كان السودانيون يقفون بقلوب يملؤها الفخر وهم يشاهدون مناطق مثل المقرن ومسجد الشهيد تعود إلى حضن الوطن بعد أن طُهّرت من دنس المليشيا. كانت صور الشباب الذين يقاتلون جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة تبعث الأمل في النفوس، وتعيد تعريف معنى الرجولة والانتماء والتضحية. شباب في مقتبل العمر تركوا أحلامهم ومقاعد دراستهم وأسرهم، وبعضهم عاد محمولًا على الأكتاف أو ملفوفًا بعلم الوطن، بينما لا تزال دموع الأمهات والثكالى واليتامى ساخنة لم تجف بعد.
لكن، وفي مشهد صادم ومؤلم، يظهر آخرون وكأنهم يعيشون في بلد آخر؛ حفلات صاخبة، ورقص مبتذل، وسلوكيات خادشة للحياء، داخل السودان وخارجه، حتى بدا الأمر وكأن الحرب لا تعنيهم. وليس بعيدًا عن ذلك ما يُتداول من حفلات لبعض الشباب السوداني في مصر، في وقت ما يزال فيه وطنهم ينزف ويكافح للبقاء.
لسنا دعاة كبت أو أوصياء على حياة الناس الخاصة، ولا أحد يطالب كل شاب بحمل السلاح والذهاب إلى الجبهات، فالأوطان تُبنى أيضًا بالكلمة والعمل والعلم والإنتاج. لكن الحد الأدنى من الوفاء الأخلاقي يقتضي احترام تضحيات الذين سقطوا دفاعًا عن الأرض والعِرض. هناك فرق شاسع بين الفرح الطبيعي بالحياة، وبين الاستهتار الذي يطعن مشاعر مجتمع كامل يعيش المأساة يوميًا.
الحروب لا تُقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل بما تتركه من أثر على الوعي والسلوك. وتجارب الشعوب تؤكد ذلك. ففي اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، لم يتحول الشباب إلى جيل عبثي غارق في اللهو، بل نشأت ثقافة وطنية قائمة على الانضباط والعمل الجماعي واحترام التضحيات، حتى نهضت البلاد من جديد إلى واحدة من أعظم القوى الاقتصادية في العالم. وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية، جرى توجيه الشباب نحو المصالحة والبناء والإنتاج، وتحولت المأساة إلى دافع لصناعة دولة مستقرة ومتقدمة نسبيًا. وحتى في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كان هناك إدراك بأن إعادة بناء الإنسان تسبق إعادة بناء الحجر.
أما نحن، فيبدو أننا ما زلنا نعاني أزمة تعريف للحرية، حيث يخلط البعض بين التحرر والانفلات، وبين الشخصية والابتذال. وهنا يأتي دور الأسرة أولًا، فالأسرة التي تتنازل عن التربية لصالح الهاتف والشاشة و”الترند” لا ينبغي أن تتفاجأ حين ترى أبناءها بلا بوصلة أخلاقية أو حس وطني. كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة الاعتبار لقيم الرجولة الحقيقية، والانتماء، واحترام المجتمع، بدل صناعة نماذج هشة لا تعرف من الحياة سوى الرقص والتصفيق.
السودان لا يحتاج إلى جيل يعيش حالة حداد دائمة، لكنه أيضًا لا يحتمل جيلًا بلا إحساس. ما بين التضحية والاستهتار مساحة اسمها “الوعي”، وهي المعركة الأهم التي يجب أن نخوضها اليوم. فالأوطان التي تنزف لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا شعب يعرف متى يفرح، وكيف يفرح، وما الذي يجب أن يبقى مقدسًا في ذاكرته الوطنية.