مقالات الرأي
أخر الأخبار

الشهادة السودانية ليست غنيمة حرب.. وعلى الدولة أن تحسم الفوضى جلال الجاك أدول منبر الكلمة

الشهادة السودانية ليست غنيمة حرب.. وعلى الدولة أن تحسم الفوضى

جلال الجاك أدول

منبر الكلمة

في الحروب لا تُستهدف المدن وحدها ولا تنهار المباني فقط بل تُستهدف فكرة الدولة نفسها ومؤسساتها السيادية ووظائفها الحصرية. والسودان اليوم يواجه أحد أخطر أوجه الصراع حرباً تستهدف تفكيك مؤسسات الدولة وتحويل اختصاصاتها السيادية إلى أدوات نزاع ومساومة سياسية.

ومن هذا المنطلق لا يمكن النظر إلى إعلان مليشيات الدعم السريع والحكومة التي سعت إلى تشكيلها تحت ما يسمى بـ تأسيس بشأن إقامة امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها باعتباره خطوة تعليمية بريئة أو مبادرة إنسانية خالصة لصالح الطلاب. بل يبدو في تقديري جزءاً من مشروع سياسي أوسع يهدف إلى تكريس سلطة موازية للدولة السودانية وصناعة أمر واقع قد يُستخدم لاحقاً كورقة للبحث عن الشرعية أو انتزاع الاعتراف السياسي.

فالشهادة السودانية ليست نشاطاً مجتمعياً ولا مشروعاً إغاثياً ولا مبادرة محلية قابلة للتفاوض أو الاجتهاد السياسي وإنما تمثل إحدى أدوات السيادة الوطنية ومن صميم اختصاص الدولة ومؤسساتها الرسمية. فتنظيم الامتحانات العامة ومنح الشهادات والاعتراف الأكاديمي كلها وظائف سيادية خالصة لا يجوز أن تُترك لمليشيات أو لسلطات خارج الإطار القانوني للدولة.

وتزداد خطورة المشهد حين تأتي هذه الخطوة متزامنة بحسب ما يُثار في النقاش العام مع تعقيدات حالت دون وصول بعض الأسر والطلاب إلى مراكز الامتحانات التابعة للدولة. وهنا يبرز سؤال مشروع هل القضية تعليم فعلاً أم أنها جزء من صراع أوسع حول شرعية الدولة ومؤسساتها؟

من يراقب المشهد السوداني بعين سياسية يدرك أن هذه الحرب لم تعد تُدار بالبندقية وحدها بل في فضاءات متعددة السيطرة العسكرية، والإعلام، والاقتصاد، والإدارة المدنية، والرموز السيادية والآن التعليم والامتحانات العامة. إنها معركة تدور حول سؤال جوهري من يمثل الدولة؟ ومن يحتكر وظائفها السيادية؟

وليس السودانيون بعيدين عن دروس الإقليم القاسية. فليبيا لم تصل إلى حالة الانقسام المؤسسي دفعة واحدة بل عبر مسار تراكمي بدأت فيه سلطات موازية بممارسة بعض وظائف الدولة حتى تحولت إلى واقع سياسي وأمني معقد تتعدد فيه مراكز القرار وتتنازع فيه الشرعية. وما تزال البلاد تدفع ثمن ذلك الانقسام حتى اليوم.

وإذا لم ينتبه السودان مبكراً فقد يجد نفسه على مسار مشابه خصوصاً في ظل التعقيدات الحدودية والتداخلات الإقليمية مع دول الجوار وما يرتبط بها من شبكات مصالح وصراعات مسلحة وتدخلات عابرة للحدود.

وهنا تقع المسؤولية أولاً وأخيراً على الدولة السودانية. فالصمت في القضايا السيادية ليس دائماً حكمة بل قد يتحول إلى فراغ تستثمره سلطات الأمر الواقع لتوسيع نفوذها وترسيخ وجودها. والمطلوب موقف رسمي واضح وحاسم يعلن بصورة لا تحتمل التأويل أن أي امتحانات تُقام خارج المؤسسات الرسمية للدولة لن تحظى باعتراف قانوني أو أكاديمي وأن الشهادة السودانية لا تستمد مشروعيتها إلا عبر الأجهزة المختصة التابعة للدولة.

وفي المقابل فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تفرض على الدولة ألّا تترك الطلاب ضحايا لهذه الحرب. فحماية السيادة لا ينبغي أن تكون على حساب مستقبل الأجيال بل عبر ترتيبات استثنائية وآمنة تضمن حق الطلاب في التعليم والجلوس للامتحانات، بعيداً عن التسييس أو محاولات إعادة هندسة الشرعية الوطنية.

إن أخطر ما قد يواجه البلاد ليس استمرار الحرب وحده بل اعتياد فكرة الدولة الموازية. فعندما تبدأ المليشيات بالإدارة المدنية ثم إدارة التعليم فالاقتصاد فالوثائق الرسمية يصبح السؤال الحقيقي من يسيطر على الأرض؟ بل من بقيت له الدولة؟

وعلى الدولة السودانية أن تدرك أن هذه ليست معركة بنادق فقط بل معركة وجود وبقاء للمؤسسات الوطنية نفسها. فحين تُترك الوظائف السيادية للتنازع يصبح مستقبل وحدة السودان واستقراره عرضة لاختبارات أكثر خطورة من صوت المدافع خاصة في ظل صراعات إقليمية ومصالح متشابكة لا تخفى على أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى