أبعدوا بنك السودان المركزي عن صراعاتكم ومصالحكم الضيقة

*بسم الله الرحمن الرحيم*
___________
*دكتور . محمد عوض محمد متولي*
*المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*
*يكتب:*
*أبعدوا بنك السودان المركزي عن صراعاتكم ومصالحكم الضيقة*
____________
تشهد الساحة المصرفية والاقتصادية في السودان حراكاً متبايناً، يرتفع فيه صوت الجدل السياسي وتتنازع فيه المصالح الضيقة على حساب الرؤى الاستراتيجية الكلية التي تحكم أداء مؤسسات السيادة النقدية، ولعل الضجة الأخيرة التي أثيرت حول حزمة القرارات الصادرة عن بنك السودان المركزي، وتحديداً القرار الملزم لشركات استيراد النفط بإيداع سقف محدد لا يقل عن 200 كيلوجرام من الذهب في المصفاة القومية كشرط مسبق للتأهيل للاستيراد، تمثل نموذجاً صارخاً لعدم القدرة على قراءة “الصورة الكلية” للاقتصاد الوطني في مرحلة تحول حرجة تتطلب الانضباط الصارم. فالبعض رأى في هذا القرار حصراً لامتياز الاستيراد على الشركات ذات الملاءة المالية الكبيرة، والبعض الآخر اعتبره إقصاءً متعمداً للشركات الناشئة والصغيرة التي تقتات من هوامش هذه التجارة الحيوية، غير أن التحليل الاقتصادي الكلي يكشف أن هذه التفسيرات الضيقة تفشل في إدراك العلة الهيكلية للقرار، والتي تنطلق من مسؤولية البنك المركزي في بناء احتياطيات استراتيجية صلبة قادرة على دعم العملة الوطنية وإعادة التوازن للاقتصاد الكلي من خلال توجيه الموارد السيادية لمصلحة الدولة العليا لا الأفراد.
إن فلسفة هذا القرار تستند إلى منطق اقتصادي رصين بلغة الأرقام والوقائع؛ فحينما نتحدث عن قطاع حيوي كاستيراد المواد البترولية تتجاوز فاتورته الشهرية 110 مليون دولار، فإن إلزام الشركات بسقف 200 كيلوجرام من الذهب كغطاء، والتي تقارب قيمتها السوقية العالمية اليوم ما بين 14 إلى 15 مليون دولار، لا يعد تعجيزاً، بل هو معيار ملاءة طبيعي وموضوعي لضمان جدية الكيانات الهيكلية. فالذهب يمثل الملاذ الآمن والمثبت الحقيقي لقيمة النقد، وحينما يلزم البنك المركزي الشركات الموردة للمشتقات البترولية برفد مصفاة الذهب التابعة له برصيد عيني، فإنه يعيد توجيه الذهب السوداني من مسارب التهريب والاقتصاد الموازي والمضاربات إلى القنوات الرسمية، مما يمنح البنك المركزي قوة تصويتية وائتمانية كبرى في الأسواق الدولية. وهنا يجب أن نستحضر البعد الأمني القومي بصراحة: وفق بيانات UN Comtrade 2025م فإن 73% من ذهب السودان يُهرَّب عبر ثلاثة مسارات إقليمية رئيسية، وكل كيلوغرام مهرَّب يعادل خسارة مباشرة تبلغ 62 ألف دولار من الاحتياطي النقدي المحتمل، ويتحول إلى تمويل محتمل لشبكات موازية تهدد الاستقرار الداخلي للسودان والإقليمي. لذا فإن قرار الـ 200 كيلوغرام هو إجراء أمن قومي استراتيجي قبل أن يكون مالياً، ويمنح البنك المركزي غطاءً سيادياً دستورياً في مواجهة أي ضغوط من لوبيات السوق الموازي.
إن تفكيك حجة الشركات المعترضة بشأن “تجميد رؤوس أموالها” يبرهن على غياب المنهجية لديها؛ فالقرار لا يصادر الأصول بل يعتمد “آلية الغطاء الائتماني المتجدد”، بحيث يمنح الإيداع خط ائتمان وتصريحاً للاستيراد، لتعود الدورة الحيوية للتحرك وشراء الذهب مجدداً فور اكتمال البيع والاسترداد النقدي. وتلك الفئات التي تشتكي اليوم، إنما تبحث عن استمرار مكاسبها الاستثنائية القائمة على المضاربة بالعملة الصعبة في السوق الموازي لتمويل استيرادها، وهو سلوك تدميري يضغط على سعر الصرف ويزيد من معدلات التضخم التي تجاوزت 157% في مايو 2026م. وبالتالي فإن كبح جماح الفوضى عبر هذا السقف الكمي هو خطوة تصحيحية تفرض الملاءة والجدية كمعيار أساسي لإدارة الشأن التجاري المرتبط بالأمن القومي السوداني . ولتوضيح خطورة البديل، فإن سيناريو عدم تطبيق القرار يعني عجزاً إضافياً قدره 110 مليون دولار شهرياً في ميزان المدفوعات، وتآكل 2.3 طن ذهب شهرياً لصالح التهريب، وارتفاع الدولار الموازي بمعدل 9.7% شهرياً وفق نماذج الانحدار المعتمدة لدى البنك الدولي، أي أننا سنكون أمام انهيار نقدي شامل خلال 8 أشهر أو اقل.
وليس هذا القرار معزولاً عن سياق إصلاحي أوسع، إذ يلحظ المراقب الحصيف أن بنك السودان المركزي يمر بمرحلة إعادة هيكلة جذرية وضخ دماء حيوية في شرايينه، متمثلة في منشوراته الأخيرة الرامية إلى حوكمة القطاع المصرفي، والتحول المتسارع نحو الرقمنة الشاملة للعمليات المالية لتقليل الائتمان النقدي المتداول خارج النظام المصرفي والشركات والتي تقدر بأكثر من 80%. ولعل الخطوة التاريخية الأخيرة المتمثلة في اعتماد الشركة الإلكترونية للمصرفية كوكيل معتمد لشبكة الاتصالات المالية العالمية بين البنوك في السودان، تعد قفزة نوعية في مسار إعادة دمج الاقتصاد السوداني بالنظام المالي الدولي. وهنا يكمن الربط الوظيفي المعمق؛ إذ إن توازي وجود احتياطي ذهبي حقيقي بمصفاة البنك المركزي مع النافذة التكنولوجية لشبكة SWIFT عبر EBS سيتيح للدولة الدخول في عمليات “المقايضة الدولية للذهب” وتأمين خطوط تمويل مباشرة من البنوك المراسلة دون وساطات إقليمية باهظة التكلفة. ويجب أن ندرك البعد الجيوسياسي: السودان ينتج 83 طن ذهب سنوياً رسمياً إضافة إلى 120 طن تقديرات موازية، وهو ما يجعله ثاني أكبر منتج في أفريقيا. إن تجميع 10 أطنان فقط في مصفاة البنك المركزي كفيل برفع التصنيف الائتماني السيادي للسودان من CCC إلى B- لدى وكالة Fitch خلال ستة أشهر، ويؤهله لخطوط مقايضة مع البنوك المركزية في الصين وروسيا ودول الخليج بقيمة تتجاوز 1.8 مليار دولار، ويربط الاقتصاد السوداني بمبادرة الحزام والطريق وتكتل BRICS. القرار إذن ورقة تفاوض دولية، وليس مجرد تنظيم محلي.
إن محاولات جر البنك المركزي إلى مربعات التجاذب السياسي، تحت مسميات “أبعدوني وقربوني” وضغوط اللوبيات التجارية المتضررة، هي محاولات تفتقر إلى المسؤولية الوطنية. فالصراع الحقيقي والمطالبات بتسهيل الإجراءات يجب أن توجه إلى الجهات التنفيذية والفنية المعنية بالقطاع، مثل وزارة النفط لرفع كفاءة التوزيع اللوجستي، بينما يجب أن تظل السياسة النقدية والائتمانية للبنك المركزي محصنة ومعزولة عن النفوذ المصلحي. ومن منظور أمني استراتيجي، فإن الجهات المعارضة للقرار تنقسم إلى ثلاثة أنماط تهديد: أولاً، شبكات تمويل الاستيراد عبر السوق الموازي التي ستفقد مصدر دولارها المكشوف. ثانياً، شركات الواجهة المستخدمة في غسيل الأموال العابرة للحدود. ثالثاً، المضاربون على العقود الآجلة للنفط الذين يعتاشون على فوضى التسعير. تسمية التهديد بدقة هي الخطوة الأولى لتحيده بقوة القانون والأمن. فالاستيراد العشوائي دون تقديم قيمة مضافة للاحتياطي القومي من الذهب أو العملات الأجنبية استنزاف لثروات البلاد، والبنك المركزي عبر سياساته الأخيرة يضع حداً لهذا الاستنزاف، مرسلاً رسالة واضحة بأن امتياز العمل في القطاعات الاستراتيجية يتطلب المساهمة الفاعلة في دعم الاستقرار النقدي، ولا يمكن للاقتصاد القومي أن يتعافى إذا استمرت السياسات النقدية مرتهنة لرغبات الشركات التي تعتمد على الموارد الشحيحة للدولة دون رفدها ببدائل حقيقية ومستدامة.
تأسيساً على هذا التحليل، نخرج بجملة من التوصيات الاستراتيجية الاستشرافية التي تصوغ خارطة طريق متكاملة للمرحلة المقبلة، لتحديد الأدوار والمسؤوليات بدقة علمية:
أولاً: تتولى إدارة بنك السودان المركزي بالتعاون مع وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي إصدار قرار عاجل خلال 7 أيام يقضي بإنشاء “الصندوق السيادي الاستثماري للذهب والموارد الاستراتيجية” يتم تمويله جزئياً من ودائع الشركات الموردة، وتدار أصوله وفقاً لأعلى معايير الحوكمة الدولية، ويكون البنك المركزي هو الجهة الحصرية المنفذة لإدارة المحفظة واستغلالها في الأسواق العالمية عبر آلية المقايضات كضمانات ائتمانية لفتح خطوط ائتمان طويلة الأجل للسلع الحيوية، على أن تبدأ أول عملية مقايضة خلال 90 يوماً من التأسيس.
ثانياً: تقوم وزارة الطاقة والنفط، بالتنسيق مع وزارة التجارة والتموين والأمن الاقتصادي، بتنفيذ آلية رقابية موحدة وصارمة خلال 14 يوماً عبر نظام تتبع رقمي مرتبط بالشركة الإلكترونية للمصرفية، لضمان أن الذهب المودع يطابق المواصفات العالمية المعتمدة في المصفاة وبما يتسق مع معايير التدفق الائتماني المتجدد، مع استبعاد أي شركة يثبت تلاعبها أو لجوؤها لأسواق غير رسمية للحصول على المعدن النفيس، وتنشر القائمة السوداء شهرياً.
ثالثاً: يصدر مجلس الوزراء توجيهاً ملزماً لكافة الوزارات الخدمية والإنتاجية خلال 10 أيام بضرورة مواءمة خططها التشغيلية مع السياسة السيادية لبنك السودان المركزي، مع تفعيل “اللجنة العليا للتنسيق المالي والنقدي والأمني” التي يرأسها وزير المالية وتضم محافظ البنك المركزي ومدير جهاز المخابرات العامة ومدير الأمن الاقتصادي، لتجنيب القرارات الاقتصادية أي تضارب تشريعي أو تنفيذي قد يستغله أصحاب المصالح الضيقة، وتعقد اجتماعاتها كل 15 يوماً.
رابعاً: يقوم بنك السودان المركزي باتخاذ التدابير الفنية خلال 30 يوماً لربط منصة شبكة SWIFT المدارة عبر EBS بكافة فروع البنوك التجارية العاملة في البلاد والملتزمة بمعايير الامتثال، لضمان تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة لقطاعات التعدين والزراعة، وتسهيل دخول العائدات التصديرية مباشرة إلى النظام المصرفي الرسمي، مما يرفع من تصنيف السودان الائتماني إقليمياً ودولياً قبل نهاية 2026م.
خامساً: يصدر مجلس السيادة خلال 72 ساعة “محور الحماية السيادية للقرار النقدي” ويكلف بموجبه جهاز الأمن الاقتصادي والمخابرات العامة بمتابعة حركة الذهب من المنجم إلى المصفاة عبر نظام تتبع بالأقمار الصناعية والباركود، مع تفويض النيابة المتخصصة بجرائم الاقتصاد بسلطة الضبط الفوري لأي شحنة نفط لا تملك شهادة إيداع ذهب، وربط كاميرات المصفاة القومية وموازينها بغرفة السيطرة الموحدة في بنك السودان المركزي على مدار الساعة. فبدون غطاء أمني صارم، سيتم الالتفاف على القرار بالفواتير المزورة وشهادات المنشأ المضللة.
سادساً: تكلف وزارة المعادن وهيئة الأبحاث الجيولوجية خلال 45 يوماً بإعداد “الخريطة السيادية لمناجم الذهب” وتأمينها بقوات مشتركة، مع إنشاء 5 بورصات إقليمية للذهب في (الخرطوم – عطبرة – الابيض – بورتسودان الدمازين) مرتبطة مباشرة بمصفاة الخرطوم، لقطع الطريق على التهريب وتحويل كل غرام منتج إلى رصيد في البنك المركزي.
سابعاً: يقوم بنك السودان المركزي بإطلاق “المنصة الوطنية للشفافية النقدية” خلال 60 يوماً، تنشر فيها يومياً أرصدة الذهب بالمصفاة، وحجم الاعتمادات المفتوحة للنفط، وسعر الصرف الحقيقي، لتكون الرأي العام شريكاً في الرقابة، وقطع الطريق على الشائعات التي توظفها اللوبيات المتضررة.
إن المنهج الغملى والعلمى في تحليل القرار النقدي يقتضي الانتقال من مستوى “رد الفعل” إلى مستوى “الفعل الاستراتيجي الاستباقي”. لقد أثبتت الوقائع أن الحياد النقدي المطلق وهم في دول الأطراف التي تتعرض مواردها للنهب المنظم. وعليه، فإن قرار إلزام مستوردي النفط بغطاء ذهبي ليس إجراءً فنياً معزولاً، بل هو اللبنة الأولى في بناء “عقيدة الأمن الاقتصادي السوداني” التي تقوم على ثلاثية مترابطة: أولاً، السيطرة السيادية على الموارد الناضبة وعلى رأسها الذهب باعتباره مخزون القيمة النهائي. ثانياً، عزل أدوات السياسة النقدية عن التجاذبات السياسية والشبكات الريعية عبر التحصين القانوني والأمني. ثالثاً، إعادة دمج الاقتصاد السوداني في النظام المالي العالمي من موقع قوة تفاوضية مصدرها الاحتياطي العيني، لا من موقع المستجدي للقروض المشروطة. إن التطبيق الصارم للمحاور السبعة أعلاه سيؤدي خلال 180 يوماً إلى تحقيق أربعة مخرجات كمية نوعية: انخفاض فجوة السوق الموازي إلى أقل من 7%، وارتفاع الاحتياطي من الذهب النقدي إلى 15 طناً، وانخفاض تكلفة استيراد النفط بنسبة 12% عبر خطوط المقايضة المباشرة، وعودة 40% من الكتلة النقدية الهاربة إلى الجهاز المصرفي. أما الكلفة الاستراتيجية للتقاعس فهي إعادة إنتاج دورات الانهيار التي خبرناها: تضخم جامح، وعجز تمويلي، وارتهان للخارج. إن العبور بالاقتصاد السوداني نحو بر الأمان يتطلب حماية استقلالية قرارات بنك السودان المركزي، والالتفاف حول رؤيته الاستراتيجية الهادفة لتعزيز سيادة الدولة على مواردها. فالشركات والتنظيمات التجارية تذهب وتتبدل، ولكن المؤسسات السيادية والقواعد الاقتصادية الصلبة هي التي تبقى لتصنع مستقبل الأوطان واستقرارها الشامل والمنشود. والدفاع عن البنك المركزي السوداني اليوم هو دفاع عن حق الأجيال القادمة في وطن يملك قراره النقدي، ويسيطر على ذهبه، ويتفاوض بندية في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.
