ثمرات بين الأهداف النبيلة وواقع التطبيق.. قراءة في التجربة والإخفاق بقلم:احمد اسماعيل،حسن

ثمرات بين الأهداف النبيلة وواقع التطبيق.. قراءة في التجربة والإخفاق
بقلم:احمد اسماعيل،حسن
عندما أطلقت حكومة عبد الله حمدوك برنامج “ثمرات” قدمته باعتباره أحد أكبر مشاريع الحماية الاجتماعية في السودان، مستهدفاً تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين في ظل الإصلاحات الاقتصادية ورفع الدعم عن السلع الأساسية. غير أن التجربة، رغم ما حملته من أهداف إيجابية، واجهت تحديات كبيرة انتهت إلى توقفها دون أن تحقق النتائج المرجوة بصورة كاملة.
أهداف البرنامج
جاء برنامج ثمرات في إطار معالجة الآثار السالبة للإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة الانتقالية، حيث استهدف تقديم دعم نقدي مباشر للأسر السودانية لتعويضها عن ارتفاع الأسعار الناتج عن تحرير الوقود وتعديل سعر الصرف ورفع الدعم التدريجي عن السلع.
وكانت الفكرة الأساسية تقوم على تحويل الدعم من السلع إلى المواطنين مباشرة، بما يضمن وصول المساعدة للفئات الأكثر احتياجاً.
الإيجابيات
رغم الانتقادات التي صاحبت البرنامج، إلا أن له بعض الجوانب الإيجابية، منها:
تقديم مفهوم جديد للحماية الاجتماعية عبر التحويلات النقدية المباشرة بدلاً من الدعم السلعي.
محاولة بناء قاعدة بيانات للأسر السودانية يمكن الاستفادة منها مستقبلاً في برامج الدعم الاجتماعي.
استهداف الفئات الضعيفة التي تأثرت بارتفاع تكاليف المعيشة.
الحصول على دعم دولي كبير ساهم في تمويل البرنامج وتطوير آليات الدفع الإلكتروني والتحويلات المالية.
تعزيز الشمول المالي من خلال تشجيع المواطنين على فتح حسابات مصرفية أو استخدام المحافظ الإلكترونية.
السلبيات والتحديات
لكن على أرض الواقع واجه البرنامج عقبات عديدة أثرت على نجاحه:
أولاً: ضعف التغطية
لم يتمكن البرنامج من الوصول إلى جميع المواطنين المستهدفين، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي تفتقر للبنية التحتية المصرفية والاتصالات.
ثانياً: التضخم الجامح
تزامن تنفيذ البرنامج مع موجات تضخم غير مسبوقة، ما أدى إلى تآكل القيمة الحقيقية للمبالغ النقدية التي حصلت عليها الأسر، فأصبحت غير قادرة على تعويض الزيادات الكبيرة في الأسعار.
ثالثاً: مشكلات التسجيل والصرف
اشتكى كثير من المواطنين من تعقيدات التسجيل وتأخر وصول المستحقات أو عدم استلامها رغم استكمال الإجراءات.
رابعاً: الاعتماد على التمويل الخارجي
اعتمد البرنامج بدرجة كبيرة على المنح والتمويل الدولي، مما جعله عرضة للتوقف عند حدوث أي اضطرابات سياسية أو اقتصادية.
خامساً: غياب الاستدامة
لم يرتبط البرنامج بخطط إنتاجية أو تنموية ترفع دخول الأسر بصورة دائمة، بل اقتصر على تقديم مساعدات نقدية مؤقتة.
لماذا يُنظر إلى التجربة على أنها فشلت؟
يرى منتقدو البرنامج أن ثمرات فشل في تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في حماية المواطنين من آثار الإصلاحات الاقتصادية، وذلك لأن الأسعار ارتفعت بوتيرة أسرع بكثير من قيمة الدعم المقدم، كما أن أعداداً كبيرة من الأسر لم تستفد منه بصورة منتظمة.
في المقابل، يرى بعض المدافعين عنه أن المشكلة لم تكن في فكرة البرنامج نفسها، وإنما في الظروف الاقتصادية والسياسية المعقدة التي أحاطت بتنفيذه، إضافة إلى ضعف المؤسسات والبنية التحتية اللازمة لإنجاحه.
خاتمة
تبقى تجربة ثمرات واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية والاجتماعية إثارة للجدل في السودان. فبينما اعتبرها البعض خطوة متقدمة نحو بناء نظام حديث للحماية الاجتماعية، رأى آخرون أنها لم تحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها بسبب التضخم، وضعف التنفيذ، والاعتماد على التمويل الخارجي. وبين هذا وذاك، تقدم التجربة درساً مهماً مفاده أن برامج الدعم النقدي لا يمكن أن تنجح بمعزل عن استقرار الاقتصاد الكلي، وزيادة الإنتاج، وتوفير مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وعدالة.

