مقالات الرأي
أخر الأخبار

من التعهدات إلى الإنجاز… خارطة طريق لاستقرار الجنيه السوداني وخفض تكلفة المعيشة بقلم: البروفيسور أحمد التجاني عبدالرحيم المنصوري

من التعهدات إلى الإنجاز… خارطة طريق لاستقرار الجنيه السوداني وخفض تكلفة المعيشة

بقلم: البروفيسور أحمد التجاني عبدالرحيم المنصوري

جاء اجتماع مجلس السيادة بالقصر الجمهوري برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في توقيت بالغ الحساسية، حيث تواجه البلاد تحديات اقتصادية وأمنية متزامنة، ويأتي في مقدمتها الانخفاض المستمر في قيمة الجنيه السوداني وما ترتب عليه من ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن.

إن الرسالة الإيجابية التي خرج بها الاجتماع تتمثل في إدراك القيادة السياسية والعسكرية أن استقرار سعر الصرف وتحسين معيشة المواطنين أصبحا من أولويات الدولة. إلا أن نجاح هذه التوجهات لن يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات، وإنما بقدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ وفق برنامج اقتصادي واضح، بمؤشرات أداء محددة ومسؤوليات معلومة وجدول زمني ملزم.

سعر الصرف ليس مشكلة نقدية فقط

توجيه فخامة رئيس مجلس الوزراء وحرصه الشديد على استقرار سعر الصرف ومحاربة الفساد ومحاربة التهريب وإنشاء المليون وحدة سكنية مربحة، يؤكد أن سعر الصرف ليس مشكلة نقدية فقط.

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن سعر الصرف يمكن معالجته بقرارات مصرفية أو أمنية فقط، بينما تؤكد التجارب الدولية أن قيمة العملة الوطنية تعكس في النهاية قوة الاقتصاد الحقيقي، وحجم الإنتاج، ومستوى الصادرات، والثقة في مؤسسات الدولة.

وعليه فإن استقرار الجنيه السوداني يتطلب معالجة جذور المشكلة من خلال أربعة محاور متكاملة:

* زيادة الإنتاج الحقيقي.
* زيادة تدفقات النقد الأجنبي.
* مكافحة الفساد والتهريب.
* استعادة ثقة المواطنين والمستثمرين في الاقتصاد الوطني.

أولاً: الإنتاج هو خط الدفاع الأول عن الجنيه

توجيه فخامة رئيس مجلس الوزراء وحرصه الشديد على استقرار سعر الصرف ومحاربة الفساد ومحاربة التهريب وإنشاء المليون وحدة سكنية مربحة، يضع الإنتاج في مقدمة أولويات الدولة.

كل دولار يتم توفيره عبر إحلال الواردات، أو جنيه يتم إنتاجه محلياً، يمثل دعماً مباشراً للعملة الوطنية.

ولهذا ينبغي أن تتحول أولويات الدولة من اقتصاد الاستيراد إلى اقتصاد الإنتاج، وذلك عبر رفع الإنتاجية وليس فقط زيادة المساحات المزروعة أو أعداد الحيوانات.

فالهدف يجب أن يكون:

* مضاعفة إنتاجية الفدان باستخدام التقانات الحديثة والبذور المحسنة والإدارة العلمية.
* رفع إنتاجية الأبقار من نحو 3–5 لترات يومياً في المتوسط إلى مستويات أعلى في المزارع المنظمة.
* تحسين أوزان الضأن والماعز الموجهة للتصدير عبر برامج التغذية والانتخاب الوراثي.
* التوسع في التصنيع الزراعي والغذائي لزيادة القيمة المضافة.

كل زيادة في الإنتاج تعني زيادة في العرض، وانخفاضاً في الأسعار، وارتفاعاً في الصادرات، وبالتالي زيادة في احتياطي البلاد من العملات الأجنبية.

ثانياً: من المنتج إلى المستهلك مباشرة

توجيه فخامة رئيس مجلس الوزراء وحرصه الشديد على استقرار سعر الصرف ومحاربة الفساد ومحاربة التهريب وإنشاء المليون وحدة سكنية مربحة، يدعم إنشاء أسواق المنتجين.

من أهم أسباب ارتفاع الأسعار تعدد الوسطاء بين المزارع والمستهلك.

ومن هنا تبرز أهمية إنشاء أسواق المنتجين (Farmers’ Markets) في جميع المدن الكبرى، بحيث يتمكن المنتج من بيع منتجاته مباشرة للمستهلك دون حلقات الوساطة الطويلة.

وتحقق هذه الأسواق عدة أهداف في آنٍ واحد:

* تخفيض أسعار السلع للمواطن.
* زيادة دخل المنتج.
* الحد من الاحتكار.
* تقليل الفاقد.
* تشجيع الإنتاج المحلي.
* توفير منتجات طازجة وعالية الجودة.

وقد أثبت هذا النموذج نجاحه في العديد من دول العالم، ويمكن تطبيقه في السودان بالشراكة بين الولايات والقطاع الخاص والجمعيات التعاونية.

ثالثاً: مكافحة الفساد والتهريب بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

توجيه فخامة رئيس مجلس الوزراء وحرصه الشديد على استقرار سعر الصرف ومحاربة الفساد ومحاربة التهريب وإنشاء المليون وحدة سكنية مربحة، يفرض تبني أدوات حديثة لمكافحة الفساد.

لا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن ينجح إذا استمرت موارد الدولة في التسرب عبر الفساد والتهريب.

ولذلك فإن المرحلة القادمة يجب أن تشهد تحولاً رقمياً كاملاً في إدارة المال العام، يعتمد على أحدث التقنيات.

ومن أهم الإجراءات المقترحة:

* استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل العمليات المالية واكتشاف الأنماط غير الطبيعية.
* إنشاء منصة رقمية موحدة تربط الجمارك والضرائب والموانئ وبنك السودان والجهات الرقابية.
* تطبيق نظام التتبع الإلكتروني للصادرات والواردات من المنفذ وحتى المستورد أو المصدر.
* استخدام الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية لمراقبة الحدود ومسارات التهريب.
* تطبيق أنظمة الدفع الإلكتروني الحكومية للحد من التعاملات النقدية.
* إصدار لوحات معلومات رقمية (Dashboards) يومية لصناع القرار توضح حركة الصادرات والواردات والإيرادات.

إن التكنولوجيا أصبحت اليوم أحد أهم أسلحة مكافحة الفساد، كما أثبتت تجارب دول عديدة مثل سنغافورة والإمارات وإستونيا ورواندا.

رابعاً: زيادة الصادرات لا زيادة الضرائب

توجيه فخامة رئيس مجلس الوزراء وحرصه الشديد على استقرار سعر الصرف ومحاربة الفساد ومحاربة التهريب وإنشاء المليون وحدة سكنية مربحة، يوجه نحو تعظيم الصادرات.

الطريق الأسرع للحصول على العملات الأجنبية ليس في فرض مزيد من الرسوم، وإنما في مضاعفة الصادرات.

ويمتلك السودان مزايا تنافسية كبيرة في:

* اللحوم.
* الألبان.
* الصمغ العربي.
* السمسم.
* الفول السوداني.
* القطن.
* الذهب.
* الثروة السمكية.
* المحاصيل البستانية.

لكن تعظيم الاستفادة من هذه الموارد يتطلب إزالة المعوقات الإدارية، وتطوير سلاسل القيمة، وتحسين الخدمات البيطرية والزراعية، وتسهيل النقل والتصدير.

خامساً: استجلاب مدخرات المغتربين

توجيه فخامة رئيس مجلس الوزراء وحرصه الشديد على استقرار سعر الصرف ومحاربة الفساد ومحاربة التهريب وإنشاء المليون وحدة سكنية مربحة، يشجع على استقطاب مدخرات المغتربين.

يمثل السودانيون بالخارج أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي غير المستغلة.

ومن المقترح تكوين لجنة قومية تضم:

* وزارة المالية.
* وزارة الزراعة.
* وزارة الثروة الحيوانية.
* وزارة المعادن.
* وزارة الاستثمار.
* جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج.

تتولى إعداد حزمة من المشروعات الاستثمارية الجاهزة للمغتربين، مع تنظيم جولات تعريفية في دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، لعرض هذه الفرص بصورة احترافية.

إن تحويل المغترب من مرسل للتحويلات فقط إلى شريك في الاستثمار والإنتاج سيخلق تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، ويعزز ارتباطه بالاقتصاد الوطني.

سادساً: مشروع المليون وحدة سكنية المنتجة

توجيه فخامة رئيس مجلس الوزراء وحرصه الشديد على استقرار سعر الصرف ومحاربة الفساد ومحاربة التهريب وإنشاء المليون وحدة سكنية مربحة، يجعل هذا المشروع محوراً استراتيجياً.

من المشروعات القادرة على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي كبير مشروع المليون وحدة سكنية المنتجة، الذي يجمع بين السكن والإنتاج الزراعي والحيواني والصناعات الريفية الصغيرة.

فكل وحدة تتحول إلى مشروع اقتصادي صغير يوفر دخلاً للأسرة، ويزيد الإنتاج المحلي، ويخلق فرص عمل، ويحد من النزوح والهجرة إلى المدن، ويخفض الحاجة إلى الاستيراد.

ومع توسع هذا النموذج يمكن أن يصبح أحد أهم روافد الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.

سابعاً: بناء الثقة في الجنيه السوداني

توجيه فخامة رئيس مجلس الوزراء وحرصه الشديد على استقرار سعر الصرف ومحاربة الفساد ومحاربة التهريب وإنشاء المليون وحدة سكنية مربحة، يعزز بناء الثقة في الجنيه.

الثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالنتائج.

فعندما يرى المواطن:

* انخفاض الأسعار.
* توفر السلع.
* استقرار الكهرباء والخدمات.
* زيادة الإنتاج.
* محاربة الفساد.
* تحسن قيمة الجنيه.

سيعود للاحتفاظ بمدخراته بالعملة الوطنية بدلاً من تحويلها إلى الدولار أو الذهب.

وهنا تبدأ الحلقة الإيجابية التي تعزز استقرار سعر الصرف.

كلمة أخيرة

توجيه فخامة رئيس مجلس الوزراء وحرصه الشديد على استقرار سعر الصرف ومحاربة الفساد ومحاربة التهريب وإنشاء المليون وحدة سكنية مربحة، يتطلب ترجمة فورية إلى قرارات تنفيذية.

لم يعد الوقت يسمح بالمزيد من التشخيص أو التردد. المطلوب الآن قرارات حاسمة وتنفيذ فوري. على صناع القرار اعتماد برنامج اقتصادي وطني ملزم خلال 90 يوماً، يتضمن أهدافاً واضحة لزيادة الإنتاج والصادرات، وخطة زمنية لإنشاء أسواق المنتجين، وتطبيقاً عاجلاً للتحول الرقمي في الجمارك والضرائب، مع آليات صارمة لمكافحة الفساد والتهريب.

كما يجب إطلاق حزمة استثمارية موجهة للمغتربين خلال ستة أشهر، وتفعيل مشروع الوحدات السكنية المنتجة على نطاق واسع، مع متابعة يومية عبر مؤشرات أداء معلنة للرأي العام.

إن استقرار الجنيه وخفض تكلفة المعيشة لن يتحققا بالوعود، بل بالفعل المنظم والمحاسبة الصارمة. القرار اليوم بيد القيادة: إما التحرك السريع وفق هذه الأولويات، أو استمرار التدهور. والمسؤولية التاريخية تقتضي اختيار الطريق الأول دون تأخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى