مقالات الرأي
أخر الأخبار

لمن يهمه الامر بقلم :إدريس هشابه وداعًا بورتسودان…

لمن يهمه الامر

بقلم :إدريس هشابه

وداعًا بورتسودان…

ما أصعب أن يكتب المرء كلمات الوداع لمن صاروا جزءًا من روحه، وما أعجز اللغة حين تضيق عن حمل ما في القلب من امتنان ومحبة. لقد غلبني التعبير كما غلبني وداعكم، فكيف تُختصر ثلاثة أعوام ونيف من العمر، تقاسمنا فيها الأفراح والأحزان، وعشنا معًا الوجع العام في سنوات الحرب بكل ما حملته من قسوة وأمل وصبر؟
كانت بورتسودان أكثر من محطة عمل؛ كانت وطنًا احتوانا حين ضاقت البلاد، وكانت وجوهكم المضيئة في تلفزيون البحر الأحمر سندًا يوم اشتدت المحن، ورفقةً صادقة لا تُنسى. وفي هذه المدينة كتبنا معًا فصولًا من الصبر، وتقاسمنا المسؤولية في واحدة من أدق المراحل التي مرت بها بلادنا.
لكن الرحلة لم تكن حكاية عملٍ فقط، بل كانت أيضًا حكاية فقدٍ موجع. ففي الطريق ودّعنا رجالًا كانوا معنا بالأمس، يملأون المكان حياةً وبهجةً، ثم غيّبهم الموت، وبقيت ذكراهم تضيء زوايا الذاكرة. نترحم اليوم على أرواح أحبائنا وزملائنا الذين سبقونا إلى رحمة الله؛ الجار والآخر، والصديق العزيز فاروق الزاهر، والعزيز إبراهيم هيما، ورفيق الأيام الأولى، صاحب الوجه البشوش وجه جعفر الهاش الباش، والمصور المخضرم مجدي، وكل من غادرنا من رفاق هذه المسيرة. رحمهم الله جميعًا رحمةً واسعة، وجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وجزى أرواحهم الطاهرة خير الجزاء. سيبقون بيننا ما بقيت الذكريات، نستحضر ضحكاتهم، ونستعيد مواقفهم، ونشعر بحضورهم كلما مررنا بمكان جمعنا بهم أو استعدنا يومًا من أيام الكفاح المشترك.
وأتوجه بخالص المحبة والتقدير إلى جميع الزملاء في تلفزيون البحر الأحمر، فردًا فردًا، على اختلاف مواقعكم ومسؤولياتكم. كنتم خير الرفاق وخير السند، ومع تعاقب الأيام ، أصبحتم أسرةً حقيقيةً لا تنقطع أواصرها، وسيظل ما بيننا من ودٍ أكبر من المسافات، وأعمق من تغير الأمكنة.
فإن بدر منا ما لم يرق لكم يومًا، فاعذرونا، فما كان ذلك إلا من ضغوط العمل وقسوة المرحلة، ولم نحمل لكم يومًا إلا كل التقدير والاحترام وصادق المودة.
غادرت عروس الشرق وأنا أحمل في قلبي رصيدًا إنسانيًا ومهنيًا لا يُقدَّر بثمن، صنعته هذه السنوات التي تعلمنا فيها من بعضنا الكثير. كانت تجربةً استثنائية أضافت إلينا خبرةً في المهنة، وعمقًا في فهم الإنسان، وإيمانًا بأن أصعب الظروف قد تُخرج أجمل معادن الرجال.
ولست أودع هذه التجربة وداع المنصرف عنها، وإنما وداع من سيظل مشدودًا إليها. فقد غلبني التعبير كما غلبني وداعكم، ولذلك سأؤجل بعض ما في القلب إلى وقتٍ آخر. فقد دونت خلال سنوات الرحلة عشرات المواقف والوجوه والقصص التي صنعت تفاصيل هذه التجربة، وأعدكم أنني سأعود إليها، لأكتب عنها وعن أصحابها، فردًا فردًا، وفاءً لمن يستحقون الوفاء، وإنصافًا لتجربة تستحق أن تُروى كما عشناها، بكل ما فيها من تعبٍ وأملٍ وانتصاراتٍ صغيرة صنعت المعنى الكبير.
وكلنا أمل أن يستمر التعاون بيننا في إطار مؤسسي راسخ، انطلاقًا من النجاح الذي حققته هذه التجربة، ليظل ما بنيناه معًا أساسًا لمزيد من العطاء والإنجاز.
شكرًا بورتسودان… شكرًا لأنها احتضنتنا في زمنٍ كان الوطن يبحث فيه عن كتفٍ يتكئ عليه. وشكرًا لكل قلبٍ أحبنا، ولكل يدٍ امتدت بالعون، ولكل زميلٍ ترك في الذاكرة أثرًا لا يمحوه الزمن.
أغادر المكان، لكنني لا أغادر الوجوه، ولا الذكريات، ولا الأيام التي صنعت بيننا أخوةً ستبقى ما بقي العمر.
إلى لقاءٍ قريب بإذن الله… ودمتم جميعًا بخير، وحفظ الله السودان وأهله.

اخوكم – إدريس هشابه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى