التنوع الثقافي في السودان.. من مصدر للصراع إلى قوة لبناء الدولة

رصد / إعلام الجامعة
أكد د. بهاء الدين مكاوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر، أن جميع الحروب التي شهدها السودان ارتبطت، بدرجات متفاوتة، بفشل النخب والقوى السياسية في إدارة التنوع الثقافي والاثني الذي يميز البلاد، مشيراً إلى أن التنوع ظاهرة عالمية لا تقتصر على الدول النامية، بل توجد أيضاً في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وكندا وإسبانيا وأستراليا، التي نجحت بدرجات متفاوتة في إدارة تنوعها.
وأوضح مكاوي، خلال ندوة إسفيرية (عبر تطبيق زووم) نظمها المنتدى القومي للفكر والتنمية والسلام ضمن محور الثقافة، في إطار المشروع الوطني لبناء الدولة السودانية الحديثة، أن السودان يمثل (أفريقيا مصغرة) لما يزخر به من تعدد ثقافي وإثني ولغوي، مبيناً أن المثقفين والكتاب حصروا قضية التنوع السوداني لفترة طويلة في سؤال الهوية: هل السودان عربي أم أفريقي؟ وانعكس ذلك حتى في الأدب من خلال ما عُرف بمدرستي (الغابة والصحراء).
ويرى مكاوي أن اختزال التنوع الثقافي في السودان في مسألة الهوية وحدها أمر متوهم، مؤكداً أن القضية الأهم تتمثل في كيفية إدارة هذا التنوع وتحويله من مصدر للصراع إلى عنصر قوة لبناء الدولة.
وأشار إلى أن الاستعمار الأوروبي قسم القارة الأفريقية وفق اعتبارات وقطاعات إنتاجية ومصالح استعمارية، الأمر الذي أدى إلى وجود كيانات ومجموعات اجتماعية موزعة بين دول متعددة، وأسهم في نشوء دول غير متجانسة من حيث الإثنيات والثقافات.
وأوضح أن بعض الدول الأفريقية بعد الاستقلال تعاملت مع هذا الواقع من خلال نموذج الاستيعاب، عبر محاولة جمع المكونات المختلفة في إطار سياسي واحد، بينما اتجهت دول أخرى إلى نموذج الاستبعاد، الذي يقوم على فصل بعض الأقاليم أو منحها خيار الانضمام إلى دول أخرى أو إقامة دول مستقلة.
وأكد مكاوي أن النموذج الأكثر ملاءمة لإدارة التنوع يتمثل في الاندماج الوظيفي، القائم على تحديد أهداف ومصالح مشتركة تجتمع حولها المكونات المختلفة، بما يجعل المواطنة والمصلحة الوطنية أساساً للتعايش وبناء الدولة.
وفي تعليقه على الحوار الذي دعت إليه عدد من الكيانات السودانية، أشار مكاوي إلى أن السودان شهد حوارات عديدة عبر تاريخه السياسي، من بينها حوار المائدة المستديرة، والحوارات التي أجرتها الحكومات المتعاقبة مع قادة جنوب السودان، فضلاً عن حوارات حكومة الإنقاذ مع الحركات المسلحة.
وأوضح أن معظم هذه الحوارات انصبت على قضايا السلطة واقتسامها، بينما يحتاج السودان، في المرحلة الراهنة، إلى حوار أعمق يتناول كيفية إدارة الدولة وبناء نظام قادر على استيعاب التنوع وتحقيق المصلحة المشتركة.
من جانبه، أكد الأمين العام للمنتدى القومي للفكر والتنمية والسلام، د. عثمان حسن عثمان، أن المشروع الوطني لبناء الدولة السودانية الحديثة الذي يطرحه المنتدى يسعى إلى مناقشة المشكلات السودانية من جذورها وبطريقة عميقة، مع تقديم رؤى وحلول تسهم في معالجة أزمات الدولة.
وشدد عثمان على أهمية الحوار بين السودانيين، داعياً المتحاورين إلى التركيز على نقاط الالتقاء، والعمل على بناء ثقافة التعايش وقبول الآخر، بما يتيح للسودانيين العيش معاً بسلام.
وخلال إحدى المداخلات عبر تطبيق «زووم»، أكد الخبير الأممي السابق ورئيس مجلس الخبراء والعلماء السودانيين بالخارج، أ.د. حسن مزمل، أهمية مثل هذه الندوات والحوارات وما تخرج به من توصيات، مشيراً إلى ضرورة أن تصل هذه الأفكار إلى أصحاب القرار، باعتبارهم «أصحاب القلم الأحمر» القادرين على تحويل التوصيات إلى سياسات وقرارات.
واختتم مزمل مداخلته بتساؤل يعكس جوهر أزمة بناء الدولة في السودان: (هل نحن أمة تبحث عن دولة، أم دولة تبحث عن أمة؟).

