الأخبار

الكريم ابراهيم يكتب :نِسَاءُ الحَلْفَايَةِ .. تَوْقِيعٌ مُبَكِّرٌ فِي سِجِلِّ العِلْمِ وَالعَطَاءِ

 

 

​من أعمق نقاط الجذور في أرض حلفاية الملوك تلك البقعة المعطاءة التي طالما فاضت بالعلوم والأدب والفنون بزغ نورُ نساءٍ صغن بجهدهن ومواهبهن صفحاتٍ منه عراض مشرفة في سِفر الوطن ، وأثبتن أن المرأة السودانية قادرةٌ على اعتلاء أرفع مراتب القيادة بثبات وإبداع ، وكما يُقال إن (وراء كل رجلٍ عظيم امرأة) ، فإن التاريخ يؤكد أيضاً أن (وراء كل امرأةٍ عظيمة رجالاً) ، فرجال الحلفاية والسودان من الآباء والأزواج والأشقاء كانوا دائمًا الأوتاد الصلبة والسند المتين الذي استندت عليه هذه النجاحات ، مشكلين بيئةً مؤمنةً بقدرات المرأة ودافعةً لها نحو الفخار والقمم .

​لقد ظلت الحلفاية عبر تاريخها مهدًا للتميز ومصنعًا للقائدات اللاتي تركن بصماتٍ لا تمحى في مختلف الشؤون الوطنية ، ففي الميدان العدلي ، سطّرت مولانا ا. انتصار أحمد عبد العال اسمها بحروفٍ من نور بتوليها منصب النائب العام لجمهورية السودان كأول امرأة تتقلد هذا الموقع الرفيع ، لتجسد أعلى معايير العدالة والكفاءة ، و على الصعيد الإداري والاقتصادي ، برزت الدكتورة الراحلة نجاة حسن محمد صالح المك كأول امرأة تتولى منصب وكيل وزارة التجارة بجانب الأمين العام لدار الوثائق القومية ، تاركةً إرثًا إداريًا ملهمًا في وقت مضى ، وفي عالم الفن والإبداع ، كسرَت الموسيقار الراحلة أسماء حمزة الحواجز كأول امرأة تتولى التلحين والعزف على آلة العود في السودان وافريقيا وتخلد اسمها كأيقونة موسيقية رائعة (رحمهما الله) .

​وتكتمل هذه اللوحة المضيئة بمسيرة السيدة الفاضلة ا. نفيسة الصديق الحسن الشنقيطي ، التي يشير تاريخ ميلادها للعام 1946م بحلفاية الملوك حيث تلقت تعليمها الأولي بمدرسة أم درمان الأولية ثم الوسطى ، والثانوي بمدرسة الأمريكان وصولًا إلى دراسة السكرتارية بالمعهد الفني سابقا ، (جامعة السودان حاليًا) ومنها لجامعة الخرطوم ، لتلتحق عقب تخرجها في عمل إداري رائد بعمادة طلاب جامعة الخرطوم عام 1968م برفقة ثلاث من زميلاتها (عيشة حسن مدير دار الضيافة وقتها بجامعة الخرطوم ، سعاد حيمورة سكرتارية مكتب مدير الجأمعة حينها ، وفاطمة أرباب مسؤول داخلية البنات بكلية الطب لحظتها بالجامعة زاتها ) ، ​وتجسيداً لما تمتلكه الأستاذة نفيسة من كفاءة ومؤهلات ، و إمكانات رفيعة ، إلى جانب علاقاتها المهنية الممتدة ، فقد تم استيعابها مباشرة للعمل بجامعة الخرطوم برفقة عدد من زميلاتها كما أشرنا سلفا .

وذكرت الحاجة نفيسة في حوار لنا معها ان من دفعتها ا.اسيا البخيت شاور (رحمها الله) ، فائقة الدرديري ابو الدهب ، عواطف ابراهيم زروق و نعيمة عبد الرحمن طراوة .

وقد حظيت السيدة نفيسة متعها الله بالصحة والعافية بدعمٍ عائلي مشهود من والدها الشيخ الصديق الحسن الشنقيطي له الرحمة وأشقائها (عبد المجيد ، محمد الأمين (رحمهما الله) ، عبد الحليم ، وعبد العزيز) ، وأخواتها ( زينب ، ام كلثوم ، وست النساء ) وصولًا إلى اقترانها بالقامة العالية والرمز الراحل المقيم المدير محمد محمد عثمان طه سيدي (طيب الله ثراه) الذي كان يعمل وقتها بالبنك التجاري السوداني فشكلا معًا أنموذجًا لبناء الأسرة الصالحة والناجحة ، فقد أثمر هذا الرباط الميمون عن غراسٍ طيب نال أرفع الدرجات العلمية من الماجستير والدكتوراه ، متمثلًا في أبنائهما (مصطفى ، معتز ، جعفر ، مبشر ، ومنير) وبناتهما (منال ، مناهل ، مي ، ماريا ، سهام ، زينب ، وصفاء) ماشاء الله ربنا يحفظهم جميعا .

​ إنَّ سيرةَ نساءِ حلفايةِ الملوكِ تشكِّلُ علامةً فارقةً وتوقيعاً مبكرا في سجل العلم والعطاء إذ لم تكن محطات توثيقية فقط ، بل هي شعلة متقدة تجسد تكامل الأدوار بين المرأة والرجل في القضاء ، والإدارة ، والفن ، والتعليم ، وبناء الإنسان ، ستظل هذه الأسماء وغيرها ، وما يقف خلفها من بيوتات سودانية أصيلة ، مناراتِ إلهام تستمد منها الأجيال القادمة معنى التضحية والريادة والاعتزاز بالوطن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى