مقالات الرأي
أخر الأخبار

شوكة في خاصرة الكلمة… إنتصار وراق جنون الأسعار.. من يداويه؟

 

شوكة في خاصرة الكلمة…

إنتصار وراق

جنون الأسعار.. من يداويه؟

لم يعد الغلاء في السودان مجرد ارتفاع عابر في أسعار السلع، ولا أزمة يمكن للمواطن أن يتجاوزها بالصبر والتدبير؛ فقد تحول إلى كابوس يومي يطارد المواطن في قوته ودوائه وتعليمه، ويهدد ما تبقى له من مقومات الحياة الكريمة.

خلال 48 ساعة فقط من زيادة سعر الدولار الجمركي التي أقرها وزير المالية، قفزت أسعار السلع في الأسواق والمتاجر بصورة صادمة، في خطوة يراها كثيرون غير مبررة في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية القاسية التي يعيشها المواطن.

جوال الدقيق الذي كان يُباع بنحو 77 ألف جنيه ارتفع إلى 108 آلاف، فيما وصل سعر كيلو السكر إلى ستة آلاف جنيه، ولم تتأخر تداعيات ذلك في الوصول إلى المخابز، إذ لجأت بعض المخابز إلى تقليص عدد قطع الخبز مقابل الألف جنيه من أربع قطع إلى قطعتين.

هكذا، لم تعد الزيادة في الأسعار تُقاس بالجنيه، وإنما بعدد الوجبات التي يفقدها المواطن كل يوم.

وفي مقابل هذا الانفلات المتسارع في الأسعار، تقف مرتبات الموظفين عاجزة حتى عن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، ناهيك عن الحديث عن “العيش الكريم”. فالراتب الذي كان بالكاد يكفي متطلبات الأسرة أصبح اليوم عاجزاً عن مواجهة فاتورة الطعام وحدها، فكيف بالعلاج والتعليم والمواصلات وبقية ضروريات الحياة؟

وفي الوقت الذي يشتعل فيه السوق، تبدو الحكومة عاجزة عن كبح جماح التضخم أو وضع حد لهذا الانهيار المتسارع في القوة الشرائية. ومع وصول سعر الدولار إلى مستويات قياسية، وبلوغ جرام الذهب أرقاماً فلكية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إلى أين يمضي الاقتصاد؟ ومن يدفع ثمن هذه السياسات؟

الإجابة واضحة: المواطن هو من يدفع الفاتورة.

هو الذي يقف أمام المخبز ليحسب عدد الأرغفة التي يستطيع شراءها، وهو الذي يقف أمام الصيدلية عاجزاً عن توفير ثمن الدواء، وهو الذي يرسل أبناءه إلى المدرسة وهو لا يدري كيف سيوفر الرسوم والكتب والمواصلات. وهو ذاته الذي يجد نفسه في نهاية الشهر أمام راتب تبخرت قيمته قبل أن يصل إلى يده.

ولذلك، ليس غريباً أن تتزايد أعداد المتسولين في الشوارع. فالتسول في كثير من الحالات ليس اختياراً، وإنما نتاج مباشر للفقر والعجز وانسداد أبواب الرزق. وحين يعجز المواطن عن مجابهة غلاء يتزايد كل يوم، بينما يظل دخله ثابتاً أو شبه ثابت، يصبح البحث عن لقمة العيش معركة يومية لا يعرف فيها الإنسان كيف ينتصر.

ثم يأتيك من يقول: “وماذا تريدون من الحكومة؟ البلد في حالة حرب!”

نعم، الحرب دائرة، ولا أحد ينكر آثارها الكارثية، لكن المواطن يريد أن يرى انعكاس هذه الحقيقة على السياسات والقرارات، لا أن تتحول الحرب إلى مبرر دائم لكل إخفاق.

فبينما يكابد المواطن الجوع والنزوح والمرض وانقطاع الخدمات وارتفاع تكاليف المواصلات، يرى مسؤولين يتنقلون بين العواصم، ويعيشون في ظروف مختلفة تماماً عن تلك التي يعيشها المواطن البسيط. لا يعانون عناء البحث عن المواصلات، ولا يقفون في طوابير الخبز، ولا تحاصرهم فاتورة العلاج، ولا يواجهون السؤال القاسي: ماذا سنأكل غداً؟

وهنا تكمن الفجوة الحقيقية بين صاحب القرار والمواطن.

كيف يمكن لمن لا يلامس وجع الشارع أن يشعر به؟ وكيف يمكن لمن لا يكتوي بنار الأسعار أن يدرك حجم الكارثة؟

رسالتي إلى الفريق أول عبدالفتاح البرهان ليست من باب الخصومة، وإنما من باب المسؤولية: انزل من برج القرار إلى الشارع، واستمع إلى الناس بعيداً عن التقارير الرسمية والأرقام المجردة.

اجلس مع الموظف الذي انتهى راتبه قبل منتصف الشهر، ومع الأم التي تقف أمام المخبز تحسب ما تبقى في جيبها، ومع الأب الذي يحتار بين شراء الدواء أو توفير الطعام لأطفاله.

الشعب السوداني لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن رفاهية في زمن الحرب. إنه يريد فقط أن يعيش بكرامة.

لا يعنيه كثيراً من يجلس على كرسي الحكم بقدر ما يعنيه أن يجد من يستطيع إدارة الدولة بكفاءة، ويحمي قوته من التآكل، ويوقف هذا الانفلات الذي جعل الحياة نفسها عبئاً ثقيلاً.

وفي النهاية، على كل مسؤول أن يتذكر أن المناصب زائلة، وأن السلطة مهما طال أمدها إلى زوال، وأن هناك يوماً لا ينفع فيه المنصب ولا الحصانة ولا القصور.

فاحذروا يوماً تجتمع فيه الخصوم، ويقف المظلومون أمام من ظلمهم.

فالسؤال اليوم لم يعد: كم ارتفعت الأسعار؟

بل أصبح السؤال الأخطر:

من يداوي جنون الأسعار… ومن يداوي وطناً أنهكه الغلاء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى