في السودان لا يملك حق التحدث عن السلام! تقرير الأمم المتحدة يفتح الباب واسعاً أمام مساءلة أبوظبي.. والسودان أمام اختبار تحويل الأدلة إلى قضية دولية بقلم:احمد اسماعيل حسن

الإمارات تحت المجهر الأممي.. من يسلّح الحرب في السودان لا يملك حق التحدث عن السلام!
تقرير الأمم المتحدة يفتح الباب واسعاً أمام مساءلة أبوظبي.. والسودان أمام اختبار تحويل الأدلة إلى قضية دولية
بقلم:احمد اسماعيل حسن
لم يعد ممكناً التعامل مع الحرب السودانية باعتبارها مجرد صراع داخلي بين طرفين سودانيين.
هذه هي الحقيقة التي تكشفها، يوماً بعد يوم، التقارير الدولية والتحقيقات الأممية.
والتقرير الأخير لبعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، الصادر في الثالث من سبتمبر 2026، جاء ليضع ملف الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع في قلب المشهد الدولي، وليمنح السودان ورقة بالغة الأهمية في معركته الدبلوماسية والقانونية.
فالتقرير الأممي لم يتحدث عن شائعات أو منشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تحدث عن شبكات عابرة للحدود تضم أفراداً وكيانات في دولة الإمارات وتشاد وليبيا والصومال، وقال إن لديه أسباباً معقولة للاعتقاد بأنها وفرت لقوات الدعم السريع أسلحة ومعدات عسكرية ودعماً لوجستياً وتدريباً وأفراداً أجانب.
وهنا تحديداً ينبغي أن يتوقف العالم.
السؤال الذي لم يعد ممكناً الهروب منه
إذا كانت الإمارات تقول إنها ليست طرفاً في الحرب السودانية، وإذا كانت تكرر أنها تدعم السلام والحوار والحل السياسي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس سؤالاً سياسياً عابراً:
كيف تعمل شبكات مرتبطة بالإمارات في توفير الدعم الذي يمكّن قوات الدعم السريع من مواصلة الحرب؟
ومن هم هؤلاء الأفراد والكيانات؟
ومن أين تأتي الأموال؟
ومن أين تمر الأسلحة؟
ومن يوفّر الطائرات واللوجستيات؟
ومن يجنّد المقاتلين الأجانب؟
ومن يدفع تكلفة الحرب التي يدفع السودانيون ثمنها دماً وتهجيراً وجوعاً ودماراً؟
هذه الأسئلة لم تعد شأناً سودانياً داخلياً، وإنما أصبحت جزءاً من ملف دولي مفتوح.
والأخطر أن التقرير الأممي يأتي في وقت تؤكد فيه التحقيقات الدولية أن الدعم الخارجي أدى إلى تعزيز القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة، وساهم في إطالة أمد الحرب وتوسيع نطاق الهجمات، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتقدمة ضد مناطق وأعيان مدنية.
الإمارات: الوسيط الذي يقترب من صورة الطرف؟
هنا تكمن المفارقة الكبرى.
كيف يمكن لدولة أن تقدم نفسها باعتبارها وسيطاً للسلام، بينما تظهر في تقارير دولية شبكات وأفراد وكيانات مرتبطة بها داخل منظومة الدعم الخارجي لأحد أطراف الحرب؟
الوساطة شيء، وتمويل الحرب شيء آخر.
ولا يمكن أن تكون الدولة في الوقت نفسه جزءاً من البيئة التي تساعد على استمرار الحرب، ثم تقدم نفسها باعتبارها جزءاً من الحل.
فالسلام لا يصنعه من يملك المال والسلاح ثم يطالب الضحية بالصمت.
والسلام الحقيقي يبدأ من وقف مصادر الحرب قبل إطلاق المؤتمرات والبيانات والمبادرات.
السودان ليس ساحة مفتوحة للآخرين
المؤلم في الحرب السودانية أن البلاد تحولت إلى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية.
السودانيون يموتون، والنازحون يفترشون الأرض، والمستشفيات تتوقف، والمدن تدمر، بينما تتحرك شبكات المال والسلاح بعيداً عن مسرح الجريمة.
وهذه هي المعادلة التي يجب أن يرفضها السودان والعالم:
من يموّل الحرب من الخارج لا يدفع ثمنها من أبنائه.
الذي يدفع الثمن هو المواطن السوداني.
هو الذي يفقد بيته.
وهو الذي يفقد ابنه.
وهو الذي يهرب من مدينته.
وهو الذي يقف أمام مستشفى بلا دواء.
وهو الذي يبحث عن الغذاء في بلد يمتلك من الموارد ما يكفي لإطعام ملايين البشر.
تقرير الأمم المتحدة ليس نهاية القضية.. بل بدايتها
من الخطأ التعامل مع التقرير الأممي باعتباره حكماً قضائياً نهائياً على دولة الإمارات.
لكن من الخطأ الأكبر أيضاً التقليل من قيمته.
فالتقرير يرفع مستوى القضية من الاتهام السياسي إلى التدقيق الدولي المنهجي.
وهذه نقطة جوهرية.
فالقول إن أفراداً وكيانات مرتبطة بالإمارات شاركت في شبكات دعم استفادت منها قوات الدعم السريع لا يعني تلقائياً ثبوت مسؤولية الدولة الإماراتية أمام محكمة دولية.
لكن ذلك يعني أن هناك ملفاً يستحق التحقيق والمساءلة والتدقيق.
والمطلوب الآن ألا يسمح المجتمع الدولي بتحويل التقرير إلى مجرد وثيقة أخرى توضع في أدراج الأمم المتحدة.
بل يجب أن يكون بداية للتحقيق في:
شبكات تمويل الحرب.
شركات ووسطاء السلاح.
حركة الطائرات والشحنات.
تجنيد المرتزقة والمقاتلين الأجانب.
مسارات الذهب والموارد التي يمكن أن تموّل الحرب.
الجهات التي توفر التدريب والمعدات والتكنولوجيا العسكرية.
ومدى علم الجهات الداعمة بالاستخدام النهائي لهذا الدعم.
أبوظبي مطالبة بالإجابة لا بالإنكار فقط
في السياسة، النفي حق مشروع.
لكن عندما تتراكم التحقيقات الدولية، يصبح النفي وحده غير كافٍ.
المطلوب هو الإجابة بالأدلة.
إذا كانت الإمارات لا علاقة لها بتسليح قوات الدعم السريع، فلتساعد في كشف الشبكات التي يقول التقرير الأممي إنها تعمل من أراضيها أو ترتبط بكيانات فيها.
وإذا كانت لا تعلم بعمليات نقل السلاح أو تجنيد المقاتلين، فلتفتح أبواب التحقيق والتعاون الدولي لكشف الحقيقة.
أما الاكتفاء بنفي الاتهامات، فلن يبدد الأسئلة التي أصبحت أكثر إلحاحاً بعد التقرير الأممي.
فالحقائق لا تحسمها البيانات السياسية، وإنما تحسمها الأدلة والتحقيقات والوثائق.
من يمد الحرب بالسلاح يمدها بالعمر
هذه هي المعادلة التي يجب أن يفهمها المجتمع الدولي.
الحرب لا تستمر لأن السودانيين يحبون الحرب.
الحرب تستمر عندما تتوافر لها القدرة على الاستمرار.
والقدرة تأتي من السلاح والمال والوقود والمرتزقة والطائرات المسيّرة والذخائر وشبكات النقل والإمداد.
ولهذا فإن مطالبة السودانيين وحدهم بوقف الحرب دون تجفيف مصادر تمويل وتسليح الأطراف المتحاربة ليست سوى نصف سياسة ونصف سلام.
فالذي يريد إيقاف الحرب عليه أن يسأل أولاً:
من يسلّحها؟
ومن يريد حماية المدنيين عليه أن يسأل:
من يمنح أطراف الحرب القدرة على استهدافهم؟
ومن يريد السلام عليه أن يسأل:
من يستفيد من استمرار الحرب؟
العدالة السودانية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود السودان
القضية السودانية تحتاج إلى نقلة نوعية.
لم يعد كافياً توثيق الجرائم التي تقع داخل السودان.
يجب توثيق سلسلة الجريمة كاملة:
من مصدر السلاح، إلى المموّل، إلى الوسيط، إلى الناقل، إلى المقاتل، إلى من يستخدم السلاح في الميدان.
فإذا كان شخص سوداني ارتكب جريمة، فليحاسب.
وإذا كان أجنبياً شارك في الجريمة، فليحاسب.
وإذا كانت شركة سهّلت وصول السلاح، فلتخضع للتحقيق.
وإذا ثبت أن مسؤولاً أو جهة قدمت دعماً مع علمها باستخدامه في انتهاكات جسيمة، فيجب أن تخضع للمساءلة وفق القانون الدولي.
هذه هي العدالة التي يستحقها السودان.
لا مساواة بين الجلاد والضحية
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يستخدم المجتمع الدولي شعار «الحياد» بطريقة تساوي بين الدولة السودانية وبين قوة مسلحة خارجة عن مؤسسات الدولة.
الحياد الحقيقي لا يعني مساواة كل الأطراف في المسؤولية.
الحياد يعني التحقيق في كل الانتهاكات، وتحديد المسؤولية بناءً على الأدلة.
وإذا كانت هناك جرائم ارتكبتها قوات الدعم السريع، فيجب محاسبة مرتكبيها.
وإذا ارتكب أفراد من القوات المسلحة انتهاكات، فيجب محاسبتهم أيضاً.
لكن في الوقت نفسه يجب ألا يُسمح لأي دولة خارجية بأن تتحول إلى مموّل أو مسلّح أو حاضنة لشبكات الحرب ثم تطالب السودانيين وحدهم بالسلام.
السودان أمام فرصة تاريخية
التقرير الأممي يمنح الدبلوماسية السودانية فرصة لا ينبغي إضاعتها.
المطلوب الآن ليس الانفعال، وإنما بناء ملف دولة.
ملف موثق.
ملف قانوني.
ملف دبلوماسي.
ملف اقتصادي.
ملف استخباري.
ملف يضع أمام المجتمع الدولي خريطة كاملة لشبكات السلاح والتمويل والتجنيد.
وعلى السودان أن يطالب مجلس الأمن والدول المؤثرة والمنظمات الدولية بتحقيقات أوسع، وباتخاذ إجراءات عملية تجاه كل من يثبت تورطه في تغذية الحرب.
كما أن دعوة بعثة تقصي الحقائق إلى توسيع حظر الأسلحة ليشمل السودان بأكمله يجب أن تكون موضع اهتمام جاد، مع ضمان ألا يتحول الحظر إلى أداة تعاقب المدنيين أو تمنع الدولة من حماية مواطنيها.
الخلاصة: الإمارات أمام اختبار الحقيقة
لقد تغيرت طبيعة السؤال.
لم يعد السؤال السوداني:
هل الإمارات متهمة بدعم الدعم السريع؟
بل أصبح:
هل تستطيع الإمارات أن تقدم للعالم إجابات مقنعة حول الشبكات والأفراد والكيانات التي يقول التحقيق الأممي إنها مرتبطة بها وأسهمت في توفير الدعم الذي استفادت منه قوات الدعم السريع؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً.
والسودان ليس مطالباً بخصومة مع الشعب الإماراتي، ولا باستهداف مصالح دولة لمجرد الخلاف السياسي.
المطلوب أبسط من ذلك وأعمق:
الحقيقة.
إذا لم تكن هناك مسؤولية إماراتية، فلتظهر الحقيقة بالأدلة.
وإذا كانت هناك شبكات تعمل من الإمارات دون علم حكومتها، فلتكشف وتحاسب.
أما إذا أثبتت التحقيقات أن هناك دعماً رسمياً أو تسهيلاً متعمداً أو علماً باستخدام الدعم في ارتكاب انتهاكات، فعندها يجب أن تنتقل القضية من مربع البيانات السياسية إلى مربع المسؤولية والمحاسبة الدولية.
فالسودان لا يبحث عن الانتقام.
السودان يبحث عن العدالة.
ولا يريد حرباً مع الإمارات.
بل يريد أن تتوقف الحرب التي جاءت إلى أرضه من شبكات السلاح والمال والمصالح العابرة للحدود.
ومن يريد أن يكون شريكاً في سلام السودان، عليه أولاً أن يثبت أنه ليس شريكاً في الحرب.
هذا هو الاختبار الحقيقي.
وهذا هو السؤال الذي وضعه التقرير الأممي أمام العالم.
فهل تكون هذه المرة بداية المساءلة، أم مجرد تقرير جديد يضاف إلى أرشيف طويل من التقارير التي وثقت المأساة السودانية ولم توقفها؟
.
