من هرمز إلى باب المندب: هل يصبح السودان الحلقة الأخطر في أمن البحر الأحمر؟ جلال الجاك ادول منبر الكلمة

من هرمز إلى باب المندب: هل يصبح السودان الحلقة الأخطر في أمن البحر الأحمر؟
جلال الجاك ادول
منبر الكلمة
حين تتوتر مياه الخليج العربي، لا تبقى تداعيات الأزمة محصورة في مضيق هرمز. فالجغرافيا البحرية للمنطقة تجعل من هرمز وباب المندب جزءاً من منظومة استراتيجية واحدة، تبدأ من منابع الطاقة في الخليج، وتعبر المحيط الهندي، ثم تدخل البحر الأحمر عبر باب المندب، قبل أن تتجه شمالاً نحو قناة السويس والأسواق الأوروبية.
ولهذا فإن ما يحدث في هرمز يمكن أن يصل أثره إلى باب المندب، وما يحدث في باب المندب يمكن أن يعيد إنتاج أزمة هرمز على مستوى التجارة العالمية. إنها ليست مجرد مصادفة جغرافية، بل سلسلة أمنية واقتصادية مترابطة، تجعل أي اضطراب في إحدى حلقاتها قابلاً للانتقال إلى الحلقات الأخرى.
هرمز وباب المندب… معادلة استراتيجية واحدة
يمثل مضيق هرمز إحدى أهم نقاط اختناق الطاقة في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية. وأي تهديد للملاحة فيه لا يضغط فقط على أسواق الطاقة، بل يرفع أيضاً تكاليف النقل والتأمين ويزيد حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي تصعيد عسكري في الخليج.
أما باب المندب، فيمثل نقطة الاختناق المقابلة على الطريق البحري الممتد من الخليج والمحيط الهندي إلى البحر الأحمر وقناة السويس.
وبذلك يمكن النظر إلى المضيقين باعتبارهما طرفي خط استراتيجي واحد: هرمز يتحكم في مدخل الطاقة، وباب المندب يتحكم في أحد أهم ممرات انتقالها والتجارة المرتبطة بها نحو أوروبا.
إذا ارتفعت المخاطر في هرمز، تتأثر حسابات الطاقة والشحن. وإذا ارتفعت المخاطر في باب المندب، تتأثر حركة السفن ومسارات التجارة وقناة السويس. أما إذا اجتمعت المخاطر في المضيقين، فإن العالم لا يواجه أزمة في ممر بحري واحد، بل يواجه اضطراباً في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
وهنا تتجاوز المسألة حدود المواجهة في الخليج أو الصراع في اليمن، لتدخل في إطار أوسع يتعلق بالقدرة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.
عندما تنتقل الأزمة من مضيق إلى آخر
الخطورة الحقيقية أن الأزمات البحرية لا تحتاج إلى إغلاق المضائق بالكامل حتى تتحول إلى أزمة عالمية.
يكفي أن تصبح الملاحة أكثر خطورة، وأن ترتفع أقساط التأمين، وأن تضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، حتى تبدأ التداعيات بالظهور على أسعار السلع والطاقة وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد.
وهنا تظهر العلاقة بين هرمز وباب المندب بوضوح.
فإذا ارتفعت المخاطر في هرمز، قد تبحث حركة التجارة والطاقة عن مسارات وبدائل جديدة، بينما يؤدي ارتفاع المخاطر في باب المندب إلى دفع السفن نحو مسارات أطول وأكثر تكلفة، بما في ذلك الدوران حول رأس الرجاء الصالح.
وبذلك يمكن أن تنتقل الأزمة من أمن الطاقة في الخليج إلى أمن التجارة في البحر الأحمر، ومن أزمة إقليمية محدودة إلى أزمة اقتصادية عالمية.
إنها ظاهرة يمكن تسميتها بـ«انتقال الأزمات»: أزمة تبدأ في نقطة اختناق بحرية، ثم تنتقل آثارها عبر شبكة مترابطة من الموانئ والممرات والأسواق، لتصل في النهاية إلى دول لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.
أين يدخل السودان؟
هنا تحديداً تصبح الجغرافيا السودانية أكثر أهمية.
فالسودان يقع على الضفة الغربية للبحر الأحمر، ويمتلك ساحلاً طويلاً وموانئ ذات أهمية استراتيجية، وعلى رأسها بورتسودان، في منطقة تقع داخل المجال الحيوي لأمن البحر الأحمر.
ومن ثم فإن الربط بين هرمز وباب المندب يقود بالضرورة إلى السودان.
كلما أصبحت الملاحة في باب المندب أكثر اضطراباً، ازدادت القيمة الاستراتيجية للساحل السوداني. وكلما اتسع التنافس الدولي على أمن البحر الأحمر، أصبح الموقع السوداني أكثر جذباً للقوى الإقليمية والدولية.
لكن هذه الأهمية تحمل وجهين متناقضين.
فالسودان يستطيع أن يحول موقعه الجغرافي إلى مصدر نفوذ اقتصادي وسياسي، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى ساحة لتنافس الآخرين إذا ظل ضعيفاً ومنقسماً، أو إذا عجزت مؤسسات الدولة عن إدارة موارده وموانئه وساحله وفق رؤية وطنية مستقلة.
بورتسودان ليست مجرد ميناء
من الخطأ التعامل مع بورتسودان باعتبارها مجرد منفذ تجاري.
في ظل التحولات المتسارعة في البحر الأحمر، أصبحت الموانئ جزءاً من معادلة الأمن واللوجستيات والطاقة والتنافس الجيوسياسي.
وبورتسودان تقع على طريق بحري يربط آسيا بأوروبا، وتزداد قيمتها الاستراتيجية كلما ارتفعت المخاطر في باب المندب أو ازدادت كلفة المرور عبره.
وهذا يضع السودان أمام معادلة دقيقة:
كيف يستفيد من ارتفاع قيمته الجيوسياسية من دون أن يسمح بتحويل ساحله إلى منصة لصراع إقليمي أو دولي؟
الإجابة لا تكمن في الانحياز إلى هذا المحور أو ذاك، وإنما في بناء قدرة وطنية تجعل السودان شريكاً في ترتيبات أمن البحر الأحمر، لا مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الخارجية.
الحرب السودانية… نقطة الضعف الأخطر
هنا تظهر المفارقة الكبرى.
كلما ازدادت أهمية البحر الأحمر، ازدادت أهمية السودان. وكلما ضعفت الدولة السودانية، ازدادت قابلية هذه الأهمية الجغرافية للاستغلال من الآخرين.
الحرب السودانية لم تستنزف الموارد البشرية والاقتصادية فحسب، بل أضعفت قدرة الدولة على إدارة حدودها وموانئها وساحلها ومصالحها الاستراتيجية في لحظة تتزايد فيها أهمية البحر الأحمر.
ولهذا فإن إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة لا يمثلان مجرد ضرورة إنسانية أو سياسية داخلية، بل أصبحا جزءاً من معادلة الأمن القومي السوداني وأمن البحر الأحمر في آن واحد.
فالسودان الضعيف في هذه الجغرافيا قد يصبح ممراً للتنافس، بينما السودان المستقر والقادر على حماية ساحله يمكن أن يصبح لاعباً مؤثراً في منظومة الأمن البحري الإقليمي.
السودان بين الفرصة والخطر
يمتلك السودان فرصة حقيقية لتحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة اقتصادية وسياسية.
يمكن تحقيق ذلك من خلال تطوير الموانئ، وتعزيز الخدمات اللوجستية، وتأمين الساحل، وتطوير قدرات المراقبة البحرية، وبناء شراكات اقتصادية متوازنة مع دول البحر الأحمر، والمشاركة في ترتيبات الأمن البحري الإقليمي.
لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب أولاً سياسة خارجية سودانية واضحة لا تقوم على الارتهان للمحاور.
فالسودان ليس بحاجة إلى أن يصبح طرفاً في صراع هرمز، ولا إلى أن يستورد صراع باب المندب إلى ساحله، بل إلى أن يدرك أن أمن البحر الأحمر منظومة واحدة، وأن حماية المصالح السودانية تبدأ من استعادة الدولة لقدرتها على حماية سيادتها وإدارة موانئها وساحلها ومواردها.
من هرمز إلى باب المندب… ثم إلى السودان
لا يمكن قراءة هرمز وباب المندب باعتبارهما أزمتين منفصلتين.
هرمز هو بوابة الخليج ومفتاح رئيسي لأمن الطاقة، وباب المندب هو بوابة البحر الأحمر وممر حيوي للتجارة الدولية، والسودان يقع على الضفة التي تصل هذه المعادلة البحرية الكبرى.
ومن هنا، فإن أي اضطراب متزامن في هرمز وباب المندب سيضع البحر الأحمر أمام اختبار استراتيجي بالغ الخطورة، وسيجعل السودان جزءاً من الحسابات الأمنية والاقتصادية للقوى الكبرى، شاء أم أبى.
لكن القيمة الجغرافية لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية.
القوة تبدأ عندما تمتلك الدولة القدرة على حماية موقعها، وإدارة موانئها، وتأمين ساحلها، وتحديد مصالحها، والتفاوض مع القوى الإقليمية والدولية من موقع الدولة لا من موقع الساحة.
ولهذا فإن السؤال بالنسبة إلى السودان ليس: هل سيؤثر الصراع في هرمز وباب المندب علينا؟
السؤال الأكثر إلحاحاً هو:
هل يستطيع السودان أن يحول موقعه بين هرمز وباب المندب من نقطة ضعف تستغلها القوى المتنافسة إلى ورقة قوة تخدم الدولة السودانية؟
قد تكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد، إلى حد كبير، موقع السودان في خريطة البحر الأحمر خلال السنوات المقبلة.