مقالات الرأي
أخر الأخبار

تأشيرة البرهان تُخرج حرب السودان من الميدان إلى أروقة الأمم المتحدة.. واشنطن بين الضغط من أجل السلام وتقييد حق المشاركة بقلم أحمد اسماعيل جسن

تأشيرة البرهان تُخرج حرب السودان من الميدان إلى أروقة الأمم المتحدة.. واشنطن بين الضغط من أجل السلام وتقييد حق المشاركة

بقلم أحمد اسماعيل جسن

لم يعد الصراع حول السودان محصوراً في ساحات القتال، أو في طاولات التفاوض الإقليمية والدولية، بل انتقل بصورة لافتة إلى أروقة الأمم المتحدة، بعدما تحولت مسألة منح رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أزمة دبلوماسية تتجاوز مسألة التأشيرة ذاتها.

فبحسب تقارير حديثة، لم تمنح واشنطن البرهان التأشيرة لحضور أعمال الجمعية العامة وإلقاء خطاب السودان، وسط تقارير أفادت بأن إصدارها ارتبط بموقفه من مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً. ولم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية علناً هذا الربط، واكتفت بالقول إنها لا تعلق على حالات التأشيرات الفردية.

 

الأمم المتحدة تدخل على خط الأزمة

الموقف الأممي جاء مختلفاً عن الموقف الأمريكي؛ إذ أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلق عميق» إزاء عدم إصدار التأشيرة، فيما أعلنت الأمانة العامة أنها أثارت المسألة مباشرة مع السلطات الأمريكية وتواصلت معها بشأنها.

وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن مشاركة جميع وفود الدول الأعضاء في أعمال المنظمة الدولية أمر أساسي لحسن سير عملها، داعياً الدولة المضيفة إلى الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بإصدار التأشيرات.

وهنا تكمن المفارقة اللافتة: واشنطن تقول إنها تستخدم أدواتها الدبلوماسية للضغط باتجاه إنهاء الحرب، بينما ترى الأمم المتحدة أن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام مشاركة دولة عضو في أعمال المنظمة.

واشنطن.. ضغط على طرفي الحرب أم سياسة انتقائية؟

الموقف الأمريكي تجاه طرفي الصراع لم يبدأ مع أزمة التأشيرة. ففي يناير 2025 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البرهان، متهمة القوات المسلحة السودانية بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وعرقلة المساعدات والجهود الرامية إلى وقف الحرب. وفي الشهر نفسه فرضت واشنطن عقوبات على قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي».

الخارجية الأمريكية

وبذلك تقول واشنطن إنها تتعامل مع طرفي الصراع باعتبارهما مسؤولين عن أفعال تستوجب المحاسبة، لكنها في الوقت نفسه تحاول الدفع نحو صيغة سياسية ووقف لإطلاق النار.

غير أن أزمة التأشيرة تضيف بعداً جديداً إلى هذه السياسة؛ فوفق مصادر نقلت عنها رويترز، بدا أن منح البرهان التأشيرة مرتبط بقبوله مقترح وقف إطلاق النار الأمريكي لمدة 90 يوماً. وفي المقابل، رفض الجانب السوداني هذا الشرط، معتبراً أن الهدن السابقة لم تؤد إلى إنهاء الحرب.

بين وقف الحرب وحق السودان في مخاطبة العالم

المعضلة هنا لا تتعلق فقط بشخص البرهان، وإنما بحق الوفد السوداني في الوصول إلى مقر الأمم المتحدة والمشاركة في أعمال الجمعية العامة.

فالسودان يرى أن منع رئيس مجلس السيادة من الحضور يحول دون تقديم روايته وموقفه أمام المجتمع الدولي، في وقت تدور فيه معركة سياسية ودبلوماسية موازية للمعارك العسكرية.

وقد طلب مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس من الأمين العام التدخل لدى السلطات الأمريكية على أعلى مستوى لضمان إصدار التأشيرة للبرهان ووفده، مستنداً إلى اتفاقية مقر الأمم المتحدة لعام 1947 التي تنظم التزامات الدولة المضيفة تجاه وفود الدول الأعضاء.

المفارقة الأمريكية

تظهر التناقضات في السياسة الأمريكية تجاه الملف السوداني في أكثر من مستوى.

فمن جهة، تقدم واشنطن نفسها بوصفها طرفاً يسعى إلى إنهاء الحرب عبر التفاوض والضغط على أطرافها، وتشارك في جهود الوساطة ضمن صيغة تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات.

ومن جهة أخرى، فإن ربط السماح لرئيس مجلس السيادة السوداني بالمشاركة في أهم منبر دبلوماسي عالمي بموقفه من مقترح سياسي ـ وفق ما نقلته مصادر إعلامية ودبلوماسية ـ يحول التأشيرة من إجراء إداري إلى أداة ضغط سياسي.

وفي المقابل، فإن واشنطن لا تزال تقول رسمياً إنها لا تعلق على قرارات التأشيرات الفردية، وهو ما يجعل مسألة الربط بين التأشيرة ووقف إطلاق النار قائمة أساساً على ما نقلته المصادر، لا على إعلان أمريكي رسمي صريح. وهذه نقطة مهمة في قراءة الحدث بعيداً عن الاستنتاجات غير الموثقة.

السودان أمام معركة دبلوماسية جديدة

ما جرى يكشف أن الحرب السودانية لم تعد فقط حرباً على الأرض، وإنما أصبحت أيضاً معركة على الرواية والشرعية والمسار السياسي.

فبينما يسعى السودان إلى عرض رؤيته أمام المجتمع الدولي، تحاول واشنطن استخدام نفوذها الدبلوماسي لدفع مسار وقف إطلاق النار، فيما تحاول الأمم المتحدة الحفاظ على قواعد العمل متعددة الأطراف والفصل بين الخلافات السياسية الثنائية وحق الدول الأعضاء في المشاركة في أعمال المنظمة.

ومن هذه الزاوية، فإن أزمة تأشيرة البرهان قد تكون أكبر من مجرد خلاف بروتوكولي؛ فهي تفتح نقاشاً حول حدود سلطة الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، وحدود استخدام التأشيرات كأداة للضغط السياسي، وموقع السودان في النظام الدولي خلال مرحلة الحرب وما بعدها.

من البنادق إلى المنابر

وبينما تستمر المعارك داخل السودان، انتقلت إحدى أكثر معارك الأزمة حساسية إلى نيويورك: من يملك حق تقديم رواية السودان أمام العالم؟ ومن يحدد شروط الحديث عن الحرب والسلام؟

هذه المرة، لم تكن المواجهة بين الجيش والدعم السريع في ميدان عسكري، بل بين الموقف السوداني والموقف الأمريكي داخل فضاء الأمم المتحدة، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع القانون الدولي والسياسة مع العمل متعدد الأطراف.

وهكذا تبدو أزمة التأشيرة محطة جديدة في مسار الحرب السودانية: **حرب بدأت بالرصاص، ثم انتقلت إلى طاولات التفاوض، وها هي تفرض نفسها الآن بقوة على أروقة الأمم المتحدة.**

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى