مقالات الرأي
أخر الأخبار

تغيير العِتبة ما بغيّر البيت.. أبيي دايرة تغيير في طريقة إدارة الملف جلال الجاك أدول  منبر الكلمة

تغيير العِتبة ما بغيّر البيت.. أبيي دايرة تغيير في طريقة إدارة الملف

جلال الجاك أدول

منبر الكلمة

 

أحياناً يكون تغيير الشخص أسهل من تغيير الطريقة، وتبديل المسؤول أهون من مراجعة المنهج الذي أُديرت به القضية. ولهذا فإن إعفاء الفريق شرطة د. حامد منان من رئاسة اللجنة الإشرافية المشتركة لمنطقة أبيي – جانب السودان لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تغيير في موقع أو استبدال اسم باسم، وإنما باعتباره لحظة تستحق أن نتوقف عندها ونسأل بصراحة هل انتهت مرحلة حامد منان فقط، أم بدأت مرحلة جديدة في طريقة إدارة ملف أبيي؟

وأقول ذلك وأنا أدرك تماماً أن الحديث عن مسؤول سابق لا ينفصل أحياناً عن العلاقات الشخصية والاجتماعية. وعلاقتي الاجتماعية مع الفريق شرطة د. حامد منان جيدة، وبيننا تقدير واحترام متبادل، وكنا نتفاكر كثيراً في قضايا تهم البلد والمنطقة، ونتبادل الآراء حول عدد من الملفات التي تمس أبيي ومستقبلها.

لذلك، فإن ما كتبته سابقاً من نقد لأداء الإشرافية لم يكن خصومة شخصية مع الرجل، ولم يكن موقفاً ضده، وإنما كان اختلافاً في الرؤية حول كيفية إدارة ملف أراه أكبر من الأشخاص والمناصب.

كنت من بين الأصوات التي طالبت، عبر أكثر من سبعة مقالات، بمراجعة أداء اللجنة وتغيير قيادتها، لأنني كنت أرى أن المرحلة تحتاج إلى أدوات مختلفة، وتواصلاً أوسع مع المجتمع، وفاعلية أكبر في الملفات التي تمس حياة أبناء أبيي وحقوقهم.

وفي هذا السياق، فإن الإنصاف يقتضي القول إن فترة رئاسة حامد منان لم تكن خالية من الاجتماعات والتحركات والاتصالات، وكانت هناك محاولات لمعالجة عدد من القضايا المرتبطة بالمنطقة. لكن السؤال الذي ظل قائماً هو إلى أي مدى تحولت هذه التحركات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن؟

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فأبيي ليست مجرد لجنة إشرافية، وليست مكتباً إدارياً يتغير رئيسه ثم تستمر الأمور بالطريقة نفسها. أبيي قضية تتقاطع فيها السياسة والأمن والقانون والمجتمع والعلاقات بين السودان وجنوب السودان، فضلاً عن الحضور الإقليمي والدولي.

ولهذا فإن تغيير المسؤول، مهما كان مهماً، لا يكفي وحده.

تغيير العِتبة ما بغيّر البيت.

المطلوب هو مراجعة طريقة إدارة القضية نفسها.

في 3 يوليو 2024، تم تكليف الفريق شرطة د. حامد منان برئاسة اللجنة الإشرافية المشتركة لمنطقة أبيي – جانب السودان. وخلال فترة رئاسته، ظل أداء اللجنة محل نقاش ومتابعة من قطاعات مختلفة، كما ظلت بعض الملفات الأساسية تنتظر معالجة أكثر فاعلية.

وأبرز ما كان يحتاج إلى مراجعة هو طبيعة العلاقة بين الإشرافية ومجتمع أبيي.

فقضية بهذا الحجم لا يمكن أن تُدار من داخل المكاتب وحدها. المجتمع المحلي ليس مجرد متلقٍ للقرارات، وإنما شريك أصيل في القضية، ولذلك فإن الإدارة الناجحة تحتاج إلى تواصل مستمر مع القيادات الأهلية والشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني، والاستماع إلى مختلف الآراء والمواقف.

كما أن هناك ملفات ترتبط مباشرة بحياة المواطنين لا تحتمل الانتظار الطويل، وفي مقدمتها الرقم الوطني والحقوق المدنية والتوظيف. هذه القضايا لا ينبغي أن تظل حبيسة المطالبات والاجتماعات، وإنما تحتاج إلى خطط واضحة، ومسؤوليات محددة، ومواعيد، ونتائج يمكن للمواطن أن يلمسها.

وهناك أيضاً الجانب الخارجي للقضية.

فوجود بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (UNISFA)، وتعدد الأطراف والمؤسسات الإقليمية والدولية ذات الصلة، يفرضان حضوراً سودانياً أكثر فاعلية وتنسيقاً. وملف بهذه الحساسية لا يمكن أن يُدار بردود الأفعال، بل يحتاج إلى عمل دبلوماسي وسياسي مستمر يحافظ على حضور السودان ومصالح مواطني أبيي.

وفوق ذلك كله، فإن أبيي اليوم ليست أبيي الأمس.

التحولات السياسية والأمنية والاجتماعية التي شهدها السودان والمنطقة فرضت واقعاً جديداً، وهذا الواقع يحتاج إلى أدوات جديدة في إدارة القضية، وإلى قراءة مختلفة للمرحلة المقبلة.

من هنا، فإن قرار إعفاء حامد منان ينبغي ألا يكون نهاية نقاش، وإنما بداية مراجعة أوسع.

لا يعني القرار أن كل ما سبق كان خاطئاً، ولا يعني أن كل الانتقادات كانت صحيحة. لكنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، والمرحلة الجديدة تحتاج إلى رؤية واضحة لما ينبغي تغييره.

ومن هنا تأتي أهمية تكليف اللواء ركن الخير عبدالله أبو مريدات برئاسة اللجنة الإشرافية المشتركة لمنطقة أبيي – جانب السودان.

نبارك له هذه الثقة، ونتمنى له التوفيق في مهمة ليست سهلة. فهو لا يتولى مسؤولية إدارة مكتب عادي، وإنما يدخل إلى ملف تتداخل فيه السياسة والأمن والقانون والمجتمع والعلاقات الدولية.

لكن المطلوب منه ليس فقط أن يكون مختلفاً عن سلفه، وإنما أن يجعل الإشرافية نفسها تعمل بطريقة مختلفة.

وأول ما أراه ضرورياً هو إعادة بناء الثقة مع مجتمع أبيي.

الاستماع إلى المجتمع يجب ألا يكون مناسبة مرتبطة بزيارة أو اجتماع، وإنما ممارسة مؤسسية مستمرة. فكلما شعر المواطن أن صوته مسموع وأن مطالبه تصل إلى مؤسسات الدولة، زادت الثقة، وكلما اتسعت المسافة بين المؤسسة والمجتمع، أصبح من الصعب تحقيق نتائج مستدامة.

وفي قلب هذه العلاقة يأتي ملف إشراك أبناء دينكا نقوك في مؤسسات أبيي.

لا يمكن الحديث عن إدارة ناجحة لشؤون المنطقة بينما يظل أبناؤها بعيدين عن المؤسسات واللجان والهياكل التي تتعامل مباشرة مع قضاياهم.

والمطلوب هنا ليس محاصصة ولا تجاوزاً للقانون، وإنما حضور حقيقي لأبناء دينكا نقوك في المؤسسات ذات الصلة، وفق الكفاءة والاستحقاق والضوابط القانونية.

فأبناء المنطقة يعرفون مجتمعهم واحتياجاته وتعقيداته، ووجودهم داخل المؤسسات يمكن أن يعزز التواصل والثقة، ويؤكد أن الدولة تتعامل معهم باعتبارهم مواطنين لهم حقوق وواجبات، وليسوا مجرد طرف في قضية سياسية.

ثم يأتي ملف الرقم الوطني والحقوق المدنية، وهو من الملفات التي لا تحتمل مزيداً من التأجيل، لأنها ترتبط بصورة مباشرة بمواطنة الإنسان وحياته اليومية وقدرته على الوصول إلى الخدمات وممارسة حقوقه المدنية.

وبالتوازي مع ذلك، يحتاج الرئيس الجديد إلى إعادة تنشيط التواصل مع المؤسسات الدولية والإقليمية ذات الصلة بأبيي، وبناء موقف سوداني أكثر حضوراً وتماسكاً تجاه التطورات التي تشهدها المنطقة.

لكن إدارة الملف لا ينبغي أن تتوقف عند القضايا اليومية.

هناك أصل القضية ومسارها السياسي والقانوني.

ولهذا من المهم العمل على استئناف الحوار مع الطرف الآخر حول أبيي، بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي والجهات الإقليمية والدولية ذات الصلة، وصولاً إلى استكمال ما نص عليه بروتوكول أبيي والاتفاقية الموقعة في 20 يونيو 2011.

فالمطلوب ليس فقط التعامل مع تداعيات الأزمة، وإنما تحريك المسارات التي تعطلت، وتهيئة الظروف لحوار جاد، مع التمسك بالمرجعيات والاتفاقات التي قبلت بها الأطراف.

وفي كل ذلك، ينبغي أن يكون المجتمع المحلي جزءاً من إعداد الرؤى والمواقف المتعلقة بمستقبل أبيي، دون أن يحل ذلك محل مؤسسات الدولة أو ينتقص من مسؤوليتها.

كما أن الشفافية يجب أن تكون جزءاً من هذه المرحلة.

من حق مواطني أبيي أن يعرفوا ما الذي تقوم به الإشرافية، وما الذي تحقق، وما الذي تعثر، وأسباب التعثر، وما الخطوات المقبلة. فالمؤسسة التي تشرح للمجتمع ما تفعله، وتستمع إلى ملاحظاته، تكون أكثر قدرة على بناء الثقة.

وفي المقابل، فإن أبناء أبيي وقياداتهم ومنظماتهم مطالبون أيضاً بأن يكونوا شركاء في الحل. فالنقد مهم، لكن الأهم أن يصاحبه تقديم رؤى ومبادرات وحلول تساعد مؤسسات الدولة على أداء مسؤولياتها بصورة أفضل.

لقد شكّل إعفاء حامد منان نهاية مرحلة، لكن القيمة الحقيقية للقرار لن تظهر في يوم الإعفاء، وإنما في ما سيأتي بعده.

فإذا تغير الاسم وبقيت الطريقة نفسها، فلن يتغير الكثير.

أما إذا كان القرار بداية لمراجعة حقيقية لطريقة إدارة ملف أبيي، وتعزيز حضور المجتمع، وإشراك أبناء دينكا نقوك في المؤسسات، وتحريك الملفات المتوقفة، وتنشيط الحوار، ورفع مستوى التنسيق السياسي والدبلوماسي، فحينها يمكن القول إن التغيير أخذ معنى يتجاوز تبديل المسؤول.

ولهذا فإن رسالتي إلى اللواء الخير أبو مريدات واضحة

لا تجعل التغيير تغييراً في الاسم فقط، بل اجعله تغييراً في المنهج.

افتح أبواب الإشرافية أمام المجتمع، واستمع إلى أبناء أبيي، وأشرك أبناء دينكا نقوك في المؤسسات وفق القانون والكفاءة، وحرك الملفات التي طال انتظارها، وأعد تنشيط الحوار، واجعل المواطن يرى أثراً حقيقياً لوجود الإشرافية في حياته.

لقد كتبت أكثر من سبعة مقالات طالبت فيها بتغيير قيادة الإشرافية، واليوم وقد حدث التغيير، لا أرى أن المهمة انتهت.

بل بدأت الآن مرحلة الاختبار الحقيقي.

سنرحب بكل خطوة إيجابية تخدم أبيي وأبناءها، وسنواصل النقد عندما يكون ضرورياً، لأن الهدف لم يكن يوماً تغيير شخص بشخص، وإنما كان ولا يزال تحسين طريقة إدارة قضية أبيي والدفاع عن حقوق مواطنيها.

وفي النهاية، أبيي أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب.

وتبقى الحقيقة التي بدأنا بها هي نفسها التي يجب أن ننتهي إليها

تغيير العِتبة ما بغيّر البيت.. أبيي دايرة تغيير في طريقة إدارة الملف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى