
بدون فواصل
بقلم: رشا أحمد البشير
أمريكا والسودان.. شراكة فوق ركام الخصومة؟
ما الذي تريده أمريكا من السودان؟
سؤال يفرض نفسه أمام الحديث الأمريكي الجديد عن الاستثمار في الزراعة والتعدين، وتقديم التكنولوجيا والخبرات مقابل الاستفادة من الثروات السودانية. فالدولة التي ارتبطت علاقتها بالسودان بالعقوبات والضغوط السياسية تعود اليوم بخطاب اقتصادي يتحدث عن الشراكة. فهل تبدّلت حساباتها، أم أن السودان أمام وجه جديد لسياسة لم تتغير أهدافها بالضرورة؟
جوهر القضية ليس في أن تستثمر أمريكا في السودان، فالثروات السودانية قادرة على جذب دول كثيرة، والاقتصاد الوطني يحتاج إلى استثمارات حقيقية تعيد تشغيل قطاعات الإنتاج. إنما تكمن القضية في أن يأتي هذا العرض من واشنطن تحديداً، بينما لا تزال ملفات الخلاف قائمة، ولم تُطوَ صفحات المواجهة السابقة.
فمشروع الشراكة المطروح لا يتحدث عن مساعدات بلا مقابل، بل عن تبادل بين التكنولوجيا والخبرات الأمريكية والموارد الطبيعية السودانية. وهذا يعني أن واشنطن ترى في السودان فرصة اقتصادية تستحق التحرك نحوها، وهو ما يفرض التساؤل عن حجم المكاسب التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها، وما سيعود على السودان من استغلال موارده وتصديرها.
السؤال هنا لا يتعلق بالاستثمار وحده، بل بطبيعة السياسة الأمريكية نفسها. هل أصبحت واشنطن أكثر استعداداً للتعامل مع السودان باعتباره شريكاً، أم أن حاجتها إلى المعادن والموارد الزراعية دفعتها إلى اعتماد مدخل اقتصادي مختلف؟
لقد عرفت العلاقة بين الخرطوم وواشنطن تقلبات عديدة، ولم تكن المصالح السودانية دائماً في قلب القرارات الأمريكية. ولذلك فإن استقبال المبادرة باعتبارها بداية صفحة جديدة سيكون قفزاً فوق سؤال أساسي: ما الذي تغيّر في واشنطن حتى تستحق سياستها تجاه السودان قراءة مختلفة؟
وهل تريد الولايات المتحدة بناء قطاع زراعي وتعديني سوداني قادر على الإنتاج والتصنيع والمنافسة، أم أن أولويتها تأمين احتياجاتها من موارد تزداد أهميتها الاستراتيجية لاقتصادها وصناعاتها؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بافتراض النوايا، وإنما بفحص مضمون المشروع وشروطه، وبما ستكشف عنه الاتفاقات الفعلية. لكن الخطأ أن ينتظر السودان حتى توقيع الاتفاقات ليبدأ التفكير في تبعاتها؛ فالمراجعة السياسية والاقتصادية يجب أن تسبق التفاوض، لا أن تأتي بعده.
إن السودان لا يحتاج إلى افتراض أن أمريكا عدو دائم، كما لا يحتاج إلى التسليم بأنها أصبحت صديقاً. ما يحتاج إليه هو قراءة سجل العلاقة كما هو، ومقارنة الخطاب الجديد بالمواقف القائمة، وعدم منح المبادرة قيمة سياسية أكبر من مضمونها الفعلي. فالحديث عن شراكة محتملة لا يعني قيام شراكة ناجزة، ولا يشكل في حد ذاته دليلاً على تبدّل المواقف أو حسن النيات.
أمريكا لم تقدم، بمجرد طرح هذه المبادرة، ما يكفي للقول إن زمن الضغوط قد انتهى، لكنها فتحت الباب أمام تساؤلات جدية عن دوافع انفتاحها الاقتصادي الجديد. فالمصالح الاقتصادية والضغوط السياسية قد تتعايش في سياسة واحدة، وما يبدو تناقضاً في الخطاب قد يكون جزءاً من حسابات تحكمها الأولويات الاستراتيجية.
وهنا تكمن مسؤولية السودان في ألا يخلط بين عرض اقتصادي وتحول سياسي لم تثبته الوقائع. فإذا كانت واشنطن تريد شراكة حقيقية، فعليها أن تثبت أن انفتاحها لا يستهدف استغلال حاجة السودان إلى المال والتكنولوجيا، ولا توظيف موارده للتأثير في قراره الوطني.
فالثروات السودانية ليست غنيمة، والقرار السوداني ليس ورقة للمساومة. وعلى السودان أن يتعامل مع أي مقترح بميزان المصالح الصارم، وأن يرفض الاتفاقات التي تنتقص من سيادته أو تمنح الطرف الآخر مكاسب مضمونة، بينما تبقى حقوقه التنموية ومصالح شعبه رهينة الوعود.
لا امتيازات مجانية، ولا تنازلات سياسية مقابل وعود اقتصادية، ولا استغلال لحاجة السودانيين إلى إعادة الإعمار لفرض شروط لا تخدم مستقبلهم. فالشراكة الحقيقية تُقاس بما تضيفه إلى الاقتصاد الوطني، وبقدرتها على نقل التكنولوجيا وتطوير الإنتاج وإيجاد قيمة مضافة للموارد داخل السودان، لا بمجرد حجم الاستثمارات المعلنة أو قيمة الثروات التي ستخرج من البلاد.
ومن حق السودان أن يبحث عن شركاء دوليين، وأن يستفيد من التكنولوجيا والخبرات والاستثمارات أينما توفرت، لكنه ليس مطالباً بأن يجعل حاجته الاقتصادية مدخلاً للتنازل عن استقلال قراره. فالمعيار ليس هوية المستثمر، بل عدالة الاتفاق، ووضوح الالتزامات، وتوازن المكاسب، وضمان قدرة الدولة على حماية مصالحها.
أمريكا حرة في البحث عن مصالحها، لكن السودان ليس ساحة مفتوحة لتحقيق تلك المصالح على حساب حقوق شعبه. والتجارب التي مرت بها البلاد في علاقاتها الدولية تفرض عليها أن تميّز بين تبدّل لغة الخطاب وتغيّر السياسات على أرض الواقع، وألا تمنح الثقة قبل أن تجد ما يسندها من مواقف وأفعال.
إذا كانت واشنطن تريد شراكة حقيقية، فعليها أن تثبت ذلك باتفاقات عادلة ومواقف واضحة تتسق مع خطابها الاقتصادي، وتحفظ للسودان ثرواته وسيادته وحقه في اتخاذ قراره الوطني. أما السودان، فلا ينبغي أن ينشغل بكيفية كسب رضا واشنطن، بل بكيفية ضمان أن تكون أي شراكة معها مكسباً حقيقياً لشعبه، لا مدخلاً لاستغلال حاجته.
فالقرار الأخير لن يُبنى على الوعود، ولا على ما تريده أمريكا، بل على ما يكسبه السودان، وما يحفظه من حقوق شعبه وسيادته ومستقبل أجياله.