اخبار عالمية
أخر الأخبار

لبنان أمام اختبار خطير: هل تتحوّل الرئاسة من ضمانة للوحدة إلى طرف في الانقسام؟

لبنان أمام اختبار خطير: هل تتحوّل الرئاسة من ضمانة للوحدة إلى طرف في الانقسام؟

 

يوسف حسن يكتب –

في مرحلة تتعاظم فيها التهديدات الإسرائيلية والضغوط الخارجية، تثير خيارات الرئيس جوزاف عون تساؤلات جدّية حول حدود السيادة اللبنانية، ودور الجيش، ومستقبل الاستقرار الداخلي.

 

لم يكن لبنان في حاجة إلى أزمة داخلية جديدة تُضاف إلى أزماته المتراكمة. فبلد أنهكته الحروب والاعتداءات الإسرائيلية والانهيارات الاقتصادية والانقسامات السياسية، يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى رئاسة تجمع ولا تفرّق، وإلى دولة تحمي مواطنيها ولا تسمح بتحويل مؤسساتها إلى أدوات في الصراعات السياسية.

 

من هنا، تبرز تساؤلات مشروعة حول النهج الذي يعتمده رئيس الجمهورية جوزاف عون، ولا سيما في الملفات المتصلة بالمقاومة وسلاح حزب الله والعلاقة مع الولايات المتحدة. فالمشكلة لا تكمن في حق الرئيس في تبنّي رؤية مختلفة لمستقبل الدولة، بل في الكيفية التي تُترجم بها هذه الرؤية، وفي ما إذا كانت تراعي التوازنات اللبنانية الدقيقة، أم تفتح الباب أمام مواجهة داخلية لا يملك لبنان ترف تحمّل نتائجها.

 

السيادة لا تُبنى تحت الضغط الخارجي

 

ليس خافياً أن الولايات المتحدة تسعى إلى التأثير في الخيارات الأمنية والسياسية اللبنانية، وأن ملف سلاح حزب الله يحتل موقعاً أساسياً في سياستها تجاه لبنان والمنطقة. كما أن إسرائيل تنظر إلى إضعاف القدرات العسكرية للحزب بوصفه هدفاً استراتيجياً يرتبط بحساباتها الأمنية.

 

لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الرئيس عون هو: كيف يمكن بناء دولة ذات سيادة إذا بدت قراراتها الداخلية منسجمة مع أولويات القوى الخارجية أكثر من انسجامها مع مقتضيات التوافق الوطني؟

 

إن المطالبة بحصرية السلاح في يد الدولة يمكن أن تكون جزءاً من نقاش وطني مشروع حول مستقبل المؤسسات الأمنية والدفاعية. غير أن تحويل هذا المبدأ إلى مسار تصادمي، من دون توافق داخلي وضمانات أمنية واضحة في مواجهة إسرائيل، يثير مخاوف من أن تصبح الدولة اللبنانية مطالبة بتقديم تنازلات أمنية قبل أن تحصل على أي ضمانات فعلية لحماية أراضيها ومواطنيها.

 

ولا يمكن للرئاسة أن تتجاهل هذه المخاوف أو أن تعتبرها مجرد اعتراض سياسي. فالمطلوب منها أن تثبت، بالممارسة والقرار، أن مرجعية السياسة اللبنانية هي المصلحة الوطنية، لا رغبات واشنطن ولا الحسابات الإسرائيلية.

 

بين الجيش والمقاومة: الخط الأحمر الذي لا يجوز تجاوزه

 

يحتل الجيش اللبناني مكانة خاصة في الوجدان الوطني، بوصفه مؤسسة يفترض أن تبقى فوق الانقسامات السياسية والطائفية. وأي محاولة لزجّه في مواجهة واسعة مع شريحة لبنانية كبيرة ستكون مغامرة محفوفة بالمخاطر.

 

وفي هذا السياق، أثار انتشار الجيش في محيط الضاحية الجنوبية لبيروت، على خلفية تحركات في الشارع وأخبار متداولة عن إجراءات قضائية بحق مسؤولين في حزب الله، تساؤلات حول طبيعة الإجراءات الأمنية وأهدافها.

 

غير أن التمييز ضروري بين الانتشار الاحترازي الهادف إلى حفظ الأمن وبين أي عملية أمنية تستهدف طرفاً سياسياً بعينه. فلا يجوز تحويل الشائعات عن المداهمات أو الملاحقات أو فرض الحصار إلى حقائق من دون أدلة موثوقة.

 

والأهم أن وجود الجيش في الشارع يجب أن يبقى عامل طمأنة لجميع اللبنانيين، لا مدخلاً إلى استقطاب سياسي جديد.

 

إن الحفاظ على المؤسسة العسكرية يقتضي تجنيبها أي مواجهة يمكن أن تضعها في مواجهة جمهور واسع من المواطنين. وهذه مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق السلطة السياسية، وفي مقدمتها رئيس الجمهورية.

 

القضاء والإعلام: ضرورة حماية المؤسسات من التوظيف السياسي

 

تزداد خطورة المرحلة عندما تترافق التوترات الأمنية مع حملات إعلامية وتسريبات قضائية غير موثقة، خصوصاً إذا جرى توظيفها في تأجيج الخصومة بين الدولة وحزب الله.

 

فمن حق القضاء ملاحقة أي شخص تثبت مخالفته للقانون، بصرف النظر عن انتمائه السياسي. لكن من واجبه أيضاً الحفاظ على استقلاليته ورفض الضغوط والتسريبات التي قد تحوّل الإجراءات القانونية إلى وسيلة للتشهير أو الاستهداف الجماعي.

 

وكذلك يتحمّل الإعلام مسؤولية التحقق من المعلومات، والتمييز بين الوقائع والشائعات، وعدم ربط أي حادث أمني بحزب الله أو غيره من القوى السياسية من دون أدلة.

 

إن دولة القانون لا تُبنى بتسييس القضاء، كما لا تُبنى بحماية المخالفين للقانون. بل تقوم على المساواة في تطبيقه، وعلى ضمان ألا تتحوّل مؤسسات العدالة إلى طرف في النزاع السياسي.

 

إعادة الإعمار ومسؤولية الدولة

 

تكتسب هذه التوترات بُعداً إضافياً في ظل الأعباء الهائلة التي خلّفتها الاعتداءات الإسرائيلية، وما ترتّب عليها من دمار ونزوح وخسائر بشرية ومادية.

 

وفي الوقت الذي تحتاج فيه المناطق المتضررة إلى إعادة الإعمار والتعويضات وإعادة الحياة الطبيعية، يبرز خلاف سياسي حول دور حزب الله في دعم المتضررين وحول علاقة هذه الجهود بمسؤوليات الدولة اللبنانية.

 

ولا ينبغي أن تتحوّل المساعدات أو إعادة الإعمار إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالمواطن الذي فقد منزله أو مصدر رزقه لا يجوز أن يدفع ثمن الخلاف بين القوى السياسية.

 

وتقع على الدولة مسؤولية أساسية في تأمين حقوق المتضررين، وإرساء آليات شفافة للتعويض وإعادة الإعمار، بعيداً عن التمييز السياسي أو الطائفي.

 

هل يمكن بناء دولة قوية بإضعاف التوافق الوطني؟

 

قد يرى الرئيس عون أن تعزيز سلطة الدولة يقتضي إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة خارج إطارها. وهذه قضية جوهرية لا يمكن تجاهلها إلى ما لا نهاية.

 

لكن الإشكالية تكمن في الوسائل والظروف والضمانات.

 

فالدولة القوية ليست تلك التي تستطيع فرض قراراتها على جزء من شعبها فحسب، بل تلك التي تستطيع إقناع مختلف مكوّناته بأن أمنهم وحقوقهم ومستقبلهم مصونة في ظل مؤسساتها.

 

ومن الصعب إقناع جمهور المقاومة بالتخلي عن هواجسه الأمنية في وقت تستمر فيه التهديدات الإسرائيلية، من دون تقديم تصور دفاعي واضح يجيب عن سؤال أساسي: من يحمي لبنان إذا تعرّض لعدوان جديد؟

 

كما أن اختزال هذا الجمهور في صورة كتلة معارضة للدولة يتجاهل حقيقة أن اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، تجمعهم مصلحة أساسية في منع الحرب الأهلية وحماية الجيش والمؤسسات.

 

إن معالجة ملف المقاومة تتطلب حواراً وطنياً جدياً حول الاستراتيجية الدفاعية، لا الاكتفاء بالضغوط السياسية والإعلامية أو الإجراءات التي يمكن أن تُفسَّر بوصفها استهدافاً لطرف بعينه.

 

مسؤولية الرئيس في لحظة مفصلية

 

يقف جوزاف عون أمام اختبار سياسي ووطني بالغ الحساسية. فبصفته رئيساً للجمهورية، تقع عليه مسؤولية حماية الدستور والوحدة الوطنية، والتعامل مع الانقسامات الداخلية من موقع الحكم لا من موقع الخصم.

 

ولهذا، فإن من حق اللبنانيين أن يطالبوه بإجابات واضحة: ما الضمانات التي تملكها الدولة لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية؟ وما حدود تأثير الضغوط الأمريكية في القرارات السيادية؟ وكيف يمكن معالجة الخلاف حول سلاح المقاومة من دون تهديد السلم الأهلي؟ وما الإجراءات التي تضمن بقاء الجيش والقضاء بعيدين عن الاستقطاب السياسي؟

 

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً في السجال الداخلي، بل تمسّ جوهر العقد الوطني اللبناني.

 

فلبنان لا يحتمل أن يصبح ملفاً أمنياً يُدار وفق حسابات الخارج، ولا أن تتحوّل مؤسساته إلى ساحة مواجهة بين أبنائه. وفي المقابل، لا يمكن أن يستقر من دون مؤسسات فاعلة وقانون يُطبَّق على الجميع وسياسة دفاعية تحظى بشرعية وطنية واسعة.

 

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الرئاسة اللبنانية اليوم هو اتساع الفجوة بين مشروع بناء الدولة ومتطلبات الحفاظ على الوحدة الوطنية. وإذا كان الهدف دولة قوية ومستقلة، فإن الطريق إليها لا يمر عبر استنساخ أولويات الخارج، ولا عبر مواجهة داخلية قد تدمّر ما تبقّى من مؤسسات البلاد.

 

لبنان يحتاج إلى رئيس يثبت أن سيادته لا تقبل الإملاء، وأن الجيش ليس أداة في الصراعات السياسية، وأن حماية السلم الأهلي ليست تنازلاً لأي طرف، بل واجب دستوري ووطني.

 

وفي بلد يعرف جيداً كلفة الفتن والحروب، تبقى المسؤولية الأولى للقيادة السياسية هي منع الاختلاف حول مستقبل الدولة من التحوّل إلى صراع يهدّد وجودها.

 

فالدولة التي يُراد بناؤها لحماية لبنان، يجب ألّا تصبح عملية بنائها سبباً في تمزيقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى