مقالات الرأي
أخر الأخبار

الصحافة ليست ساحة لتصفية الحسابات، والخبر ليس مساحة للاجتهاد أو صناعة الوقائع بقلم: أحمد إسماعيل حسن

الكلمة أمانة.. حين تتقدم المسؤولية على الإثارة

الصحافة ليست ساحة لتصفية الحسابات، والخبر ليس مساحة للاجتهاد أو صناعة الوقائع

بقلم: أحمد إسماعيل حسن

ليست الصحافة مجرد كلمات تُكتب، أو أخبار تُنشر، أو عبارات تُلقى على منصات التواصل الاجتماعي بحثًا عن التفاعل والانتشار؛ إنها، قبل كل شيء، مسؤولية أخلاقية ومهنية، وأمانة تقتضي من حامل القلم أن يتحرى الحقيقة، ويحترم عقول القراء، ويدرك أن الكلمة قد تبني الثقة، كما تستطيع أن تهدمها، وأن الخبر قد يصحح معلومة، كما يمكن أن يزرع الشك ويصنع انطباعًا مضللًا يصعب محوه.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المهنة الصحفية ليس اختلاف وجهات النظر، ولا تعدد القراءات والتحليلات، وإنما اختلاط الحقيقة بالتأويل، وامتزاج الوقائع بالظنون، وتقديم الانطباعات الشخصية في ثوب الأخبار المؤكدة. فعندما يفقد القارئ قدرته على التمييز بين ما حدث فعلًا وما يعتقد الصحفي أنه حدث، تصبح المصداقية أول الضحايا، وتتحول الصحافة من وسيلة لكشف الحقيقة إلى مصدر للالتباس.

أولًا: الخبر حقيقة موثقة، وليس انطباعًا شخصيًا

للخبر قواعده المهنية التي لا يجوز تجاوزها؛ فهو يقوم على وقائع قابلة للتحقق، ومعلومات تستند إلى مصادر موثوقة، وشهادات يمكن مراجعتها، وحرص على إتاحة الفرصة للأطراف المعنية لتوضيح مواقفها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بادعاءات قد تمس سمعة الأفراد أو المؤسسات.

وليس كل ما يُتداول خبرًا، ولا كل ما يُقال يصلح للنشر، ولا كل معلومة تصل إلى الصحفي تصبح حقيقة لمجرد أنه تلقاها من مصدر يثق به. فالمهنية الحقيقية تبدأ بالسؤال والتحقق والمراجعة، لا بالتسرع في النشر، وتنتهي بتحمل المسؤولية عن دقة ما نُشر، لا بالتنصل منها بعد انتشار المعلومة.

إن الصحفي الذي ينشر معلومة غير متحقق منها لا يغامر بمصداقيته وحدها، بل يضع الجمهور أمام احتمال تصديق رواية قد لا تكون صحيحة، ويمنح المعلومات غير الدقيقة فرصة للتحول إلى قناعات وأحكام ومواقف.

ثانيًا: الرأي حق مشروع، لكنه ليس بديلًا عن الحقيقة

من حق الصحفي أن يختلف، وأن ينتقد، وأن يحلل، وأن يتبنى موقفًا من قضية عامة، وأن يطرح أسئلة صعبة حول أداء المؤسسات والأشخاص. فحرية الرأي ركن أصيل من أركان العمل الصحفي، والنقد المسؤول ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى الإصلاح.

لكن ثمة فارقًا جوهريًا بين أن يقول الصحفي: «أرى أن هذه الخطوة تثير تساؤلات»، وأن يقرر، في صيغة خبرية جازمة، أن واقعة معينة حدثت دون أن يمتلك ما يثبتها.

الأولى قراءة قابلة للنقاش، والثانية ادعاء يحتاج إلى دليل.

مقال الرأي مساحة للتفسير والاجتهاد، أما الخبر فمسؤولية إثبات وتوثيق. والتحليل المهني يقتضي الفصل الواضح بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات الشخصية، مع إسناد الآراء إلى أصحابها، وعدم تقديم الاحتمالات باعتبارها حقائق مكتملة.

إن الخلط بين هذه الأجناس الصحفية لا يمنح الكاتب حرية أكبر، بل يربك القارئ، ويضعف قيمة العمل الصحفي، ويفتح الباب أمام توظيف الخبر لخدمة مواقف مسبقة بدلًا من توظيف المعلومة لخدمة الحقيقة.

ثالثًا: ميثاق الشرف الصحفي ليس نصًا للزينة

إن الالتزام بميثاق الشرف الصحفي ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا نصًا أخلاقيًا يُستدعى عند محاسبة الآخرين ثم يُنسى عند ممارسة المهنة؛ إنه التزام يومي ينعكس في طريقة جمع المعلومات، والتحقق من المصادر، وصياغة العناوين، ونقل التصريحات، والتعامل مع الأطراف المختلفة.

ومن مقتضيات هذا الالتزام احترام الحقيقة، والدقة في النقل، وتجنب التضليل، وصون كرامة الأشخاص، وعدم الإضرار بسمعتهم عبر معلومات غير موثقة، والتمييز بين الوقائع والآراء، وتصحيح الأخطاء متى ثبت وقوعها.

ولا تعني هذه المبادئ أن الصحفي مطالب بالصمت أو تجنب القضايا الخلافية، بل تعني أن يمارس حقه في السؤال والنقد والمساءلة على أساس من الأدلة، وأن يدرك أن قوة الصحافة لا تُقاس بحدة الاتهام، وإنما بمتانة الحجة وسلامة المعلومة.

فالصحفي المهني لا يخشى الحقيقة، ولا يحتاج إلى تضخيم الوقائع كي يلفت الانتباه، ولا يستبدل الدليل بالإيحاء، ولا يجعل من العنوان المثير غطاءً لمتن لا تسنده الوقائع.

رابعًا: وسائل التواصل الاجتماعي لا تعفي الصحفي من المسؤولية

لقد أتاحت منصات التواصل الاجتماعي للصحفيين الوصول إلى جمهور أوسع، وسرّعت تداول المعلومات، وفتحت المجال أمام النقاش العام. لكنها، في الوقت نفسه، جعلت الخطأ أسرع انتشارًا، والشائعة أقدر على تجاوز حدودها، والتصحيح أقل قدرة أحيانًا على اللحاق بما أحدثه النشر الأول.

ومن هنا، فإن الصحفي الذي ينشر عبر صفحته الشخصية لا يفقد صفته المهنية، ولا تسقط عنه واجبات التحقق والدقة لمجرد أنه لم ينشر في صحيفة أو موقع إخباري.

فالمنصة قد تكون شخصية، لكن أثر الكلمة يتجاوز صاحبها، والجمهور لا يتعامل بالضرورة مع ما ينشره الصحفي باعتباره رأيًا عابرًا؛ بل قد يمنحه ثقة إضافية بسبب صفته المهنية وخبرته الصحفية.

وكلما اتسع جمهور الكاتب، ازدادت مسؤوليته، وأصبح لزامًا عليه أن يراجع معلوماته قبل النشر، وأن يتجنب العناوين التي توحي بما لا يثبته المحتوى، وأن يفرق بين ما يعرفه وما يستنتجه، وبين ما تأكد منه وما لا يزال بحاجة إلى التحقق.

خامسًا: التصحيح شجاعة مهنية، وليس انتقاصًا من المكانة

لا يوجد عمل بشري معصوم من الخطأ، والصحافة ليست استثناءً. لكن الفارق بين الخطأ العابر والممارسة التي تهدد المصداقية يكمن في كيفية التعامل معه.

فإذا اكتشف الصحفي أن معلومة نشرها غير دقيقة، فإن واجبه المهني والأخلاقي يقتضي تصحيحها بوضوح، وبالقدر الذي يتناسب مع انتشارها وأثرها، لا الاكتفاء بحذفها في صمت، أو تجاهلها، أو التمسك بها رغم ظهور ما ينقضها.

إن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قيمة الصحفي، بل قد يعزز ثقة الجمهور فيه؛ لأن المصداقية لا تعني ادعاء العصمة، وإنما تعني الصدق في نقل ما ثبت، والأمانة في مراجعة ما نُشر، والشجاعة في تصحيح ما تبيّن خطؤه.

وفي المقابل، فإن الإصرار على معلومة غير ثابتة لا يحولها إلى حقيقة، كما أن تكرار الادعاء لا يعوّض غياب الدليل.

سادسًا: المصداقية رأس مال الصحفي الحقيقي

قد يحقق الخبر المثير انتشارًا واسعًا في ساعات، وقد يحصد عنوان صادم آلاف التفاعلات، لكن المصداقية تُبنى عبر سنوات من الالتزام والدقة والإنصاف. وهي رأس المال الحقيقي الذي يملكه الصحفي، فإذا فرّط فيه من أجل سبق غير مكتمل أو تفاعل عابر، فقد يخسر ما لا تعوضه كثرة المتابعين ولا سرعة الانتشار.

وليس المطلوب من الصحفي أن يكون محايدًا عن الحقيقة، أو أن يتخلى عن حقه في النقد، وإنما المطلوب أن يكون أمينًا في عرض الوقائع، واضحًا في التعبير عن آرائه، منصفًا في تناول القضايا، وحريصًا على ألا تتحول مهنته إلى وسيلة لتوجيه الرأي العام عبر معلومات لم تستوفِ شروط التحقق.

فالصحافة القوية هي التي تطرح الأسئلة الصعبة، لكنها لا تستبق الإجابات. وتكشف أوجه القصور، لكنها لا تختلق الوقائع. وتنتقد المسؤولين والمؤسسات، لكنها تفعل ذلك بالحجة والوثيقة، لا بالتلميح المضلل أو الاتهام الذي يفتقر إلى السند.

أخيرًا..

إن الدفاع عن حرية الصحافة لا ينفصل عن الدفاع عن أخلاقياتها، وإن احترام حق الصحفي في التعبير لا يعني إعفاءه من مسؤولية ما ينشره. فالحرية والمسؤولية وجهان لممارسة مهنية واحدة، وكلما ارتفعت مساحة الحرية، ازدادت الحاجة إلى الضمير المهني والالتزام بالمعايير التي تحمي المجتمع من التضليل.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل منشور صحفي ليس: كم شخصًا سيتفاعل معه؟ ولا: كم مرة سيُعاد تداوله؟ وإنما: هل تحققت من المعلومة؟ وهل أملك ما يسندها؟ وهل ميّزت بين الحقيقة ورأيي فيها؟ وهل أقبل أن أتحمل المسؤولية كاملة إذا ثبت خطؤها؟

تلك هي الأسئلة التي تصنع الفارق بين صحفي يبحث عن الحقيقة، وكاتب يكتفي بصناعة الانطباعات.

فالكلمة أمانة، والخبر مسؤولية، والرأي حق، والمصداقية شرف المهنة. ومن لا يحترم هذه الحدود، لا يسيء إلى صورته وحدها، بل يساهم في إضعاف الثقة في الصحافة كلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى