فكرية أبا يزيد.. محمد امرأة قادة سفينة الإعلام الرسمي في أصعب واشدّ اللحظات في تاريخ السودان الحديث

فكرية أبا يزيد.. محمد امرأة قادة سفينة الإعلام الرسمي في أصعب واشدّ اللحظات في تاريخ السودان الحديث
فكرية أبا يزيد سيدة الحرب والسلام
في اليوم العالمي للمدير نقف اجلالا أمام تجربة استثنائية لامراة سودانية حملت الامانة في وقت عز فيه حملها
فكرية أبا يزيد امرأة قادت سونا من قلب العاصفة
رقية الشفيع
الخرطوم – سوداناو
في تاريخ الإعلام السوداني، تبرز تجارب مهنية تتجاوز حدود العمل الصحفي لتصبح جزءاً من ذاكرة المؤسسات الوطنية، خصوصاً عندما تفرض الظروف الاستثنائية اختبارات قاسية على القيادة والمسؤولية. وتأتي تجربة الدكتورة فكرية أبا يزيد محمد، المدير السابق لوكالة السودان للأنباء “سونا”، ضمن هذه التجارب، بعدما تولت قيادة الوكالة في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد، وواجهت تحديات الحرب والنزوح وتراجع الإمكانات، في محاولة للحفاظ على استمرار المؤسسة وأدائها الإعلامي.
وفي اليوم العالمي للمدير، تستعيد “سوداناو” مسيرة إعلامية امتدت لعقود، جمعت بين العمل الصحفي والتحرير المتخصص والإشراف الإداري، وانتهت إلى تولي مسؤولية واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية الرسمية في السودان، في ظروف استثنائية سبقت اندلاع الحرب في أبريل 2023 واستمرت بعدها.
وتُعد فكرية أبا يزيد ثاني امرأة تتولى منصب المدير العام لوكالة السودان للأنباء، بعد الرائدة نعمات محمد بلال، في مسار يعكس حضور المرأة السودانية في قيادة المؤسسات الإعلامية، وقدرتها على الوصول إلى مواقع المسؤولية بعد سنوات من الخبرة والتدرج المهني.
من جامعة الخرطوم إلى العمل الصحفي
بدأت فكرية أبا يزيد تعليمها بمدرسة القوز الابتدائية، ثم مدرسة الكلاكلة القطعية للمرحلة الوسطى، قبل أن تلتحق بمدرسة أم درمان الثانوية بنات. وواصلت دراستها بجامعة الخرطوم، حيث حصلت على بكالوريوس الآداب، ثم نالت الدبلوم العالي في الإعلام.
وفي مرحلة لاحقة، حصلت على درجة الماجستير في الإعلام من جامعة أفريقيا العالمية، عن دراسة تناولت تدفق الأخبار في شبكات الاتصال، بالتطبيق على أخبار السودان بقناة الجزيرة خلال الفترة من ديسمبر 2000 إلى عام 2002.
واستكملت تأهيلها الأكاديمي بالحصول على دكتوراه الفلسفة في الإعلام من جامعة الخرطوم، عن أطروحة بعنوان “معايير تناول الأخبار في قناتي الجزيرة و BBC عربي”.
وقد أسهم هذا التأهيل الأكاديمي، إلى جانب الخبرة العملية الطويلة، في تعزيز معرفتها بمناهج العمل الإخباري ومعايير المعالجة الصحفية، وهي مجالات ارتبطت بطبيعة مسؤولياتها المهنية في وكالة السودان للأنباء ومؤسسات إعلامية أخرى.
خبرة ممتدة في الإعلام
ارتبطت مسيرة فكرية أبا يزيد المهنية بوكالة السودان للأنباء منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث عملت محررة بقسم الأخبار الداخلية، كما عملت بقسم التحقيقات وأسهمت في تحرير النشرة العلمية عبر شبكة “سونا”.
وتدرجت في العمل التحريري والإشراف، فتولت رئاسة قسم التقارير، ثم رئاسة القسم الاقتصادي، قبل أن تصل إلى منصب المدير العام للوكالة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، عُرفت الدكتورة فكرية أبا يزيد بفاعليتها في العمل العام وحرصها على تعزيز روح التكافل بين الزملاء، إذ ترأست لجاناً للعلاج وتوفير الملابس وتنظيم الزواج الجماعي، وكانت حاضرة ومشاركة في المناسبات الخاصة والعامة لزملائها، بما يعكس اهتمامها بالروابط الإنسانية والاجتماعية داخل محيط العمل، وحرصها على مساندة زملائها ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم.
وتبرز مسيرتها خبرة صحفية شاملة امتدت عبر مجالات التحرير والتحقيق والتغطية والإشراف، وشملت الصحافة المكتوبة والتلفزيون والإذاعة، إلى جانب العمل الإداري وقيادة الفرق المهنية والتعامل مع مختلف القضايا والملفات الإعلامية.
تنقلت فكرية أبا يزيد خارج “سونا”، بين منصات صحفية وإعلامية متعددة؛ فكتبت في “آخر خبر” باسم “أم رانيا”، وأدارت تحرير العدد الأول من مجلة “أسرتي”، كما حررت صفحة المنوعات في صحيفة “نون” النسائية. وفي أواخر التسعينيات، واصلت حضورها في الصحافة عبر مجلة “السواعد” ومجلة “السودان الاقتصادي” بسفارة السودان في الإمارات، إلى جانب إسهاماتها في تحرير الأخبار الاقتصادية.
وعلى الشاشة البلورية، شاركت في برنامج لقضايا المواطنين بالتلفزيون القومي، منها برنامج “البيت السعيد” بتلفزيون السودان، قبل أن تتولى منصب كبيرة المحررين بقناة النيل الأزرق منذ بثها التجريبي وحتى عام 2014. كما تعاونت مع مكتب وكالة الأنباء القطرية، وإذاعة الخرطوم و” أف أم الاقتصادية”، وإذاعة الرابعة، وعدد من وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الخارجية.
تعكس هذه المحطات تنوع خبراتها بين التحرير الإخباري والاقتصادي والاجتماعي، والعمل التلفزيوني والإذاعي، والإشراف على الفرق الصحفية، وهي خبرات شكلت رصيدها المهني قبل تولي قيادة الوكالة.
قيادة “سونا” في مرحلة مفصلية
تولت الدكتورة فكرية أبايزيد إدارة وكالة السودان للأنباء في فترة سبقت اندلاع الحرب، وسط استقطاب سياسي حاد وانقسام مجتمعي وهشاشة أمنية. وكانت الوكالة تواجه تحديات تتصل بتطوير أدائها التحريري، وتعزيز حضورها مصدراً للأخبار الرسمية، والمحافظة على دورها في نقل المعلومات إلى الجمهور.
ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، انتقلت مسؤوليات الإدارة إلى مستوى أكثر تعقيداً. فقد واجهت المؤسسات الإعلامية، ومنها “سونا”، صعوبات مباشرة بسبب القتال في الخرطوم وتعذر العمل من المقار المعتادة، إلى جانب المخاطر الأمنية والإنسانية التي طالت العاملين وأسرهم.
وفي تلك الظروف، أصبح استمرار عمل الوكالة أولوية أساسية، بما يتطلبه ذلك من ترتيبات بديلة، وتوفير الإمكانات المتاحة، ومتابعة عمل المحررين، والمحافظة على الكوادر المهنية.
من الخرطوم إلى ود مدني.. النزوح الأول
تسلمت فكرية أبا يزيد مسؤولية إدارة العمل خلال هذه المرحلة، وسط تحديات تجاوزت الجوانب التحريرية والفنية إلى الأوضاع الإنسانية للعاملين الذين نزحوا مع أسرهم، وفقد كثيرون منهم الاستقرار اللازم لمواصلة العمل الصحفي.
ورغم قسوة الظروف، حرصت علي ان يظل صوت “سونا” مسموعا في وقت توقفت فيه كل أجهزة الإعلام الرسمية وكانت أكثر حرصا على استمرار العمل بالمتابعة ميدانياً والاتصال بمنسوبي سونا طوال اليوم، متحملة أعباء المسؤولية المهنية والظروف الأسرية الصعبة التي رافقت مرض زوجها، عليه رحمة الله.
ولم يقتصر إسهام فكرية أبا يزيد وزملائها في “سونا” خلال تلك الفترة على الجهد المهني، فقد امتد إلى تحمل الأعباء المالية اللازمة لاستمرار العمل؛ إذ كانت تنفق من مالها الخاص لتسيير شؤون الوكالة، شأنها في ذلك شأن عدد من منسوبيها الذين أسهموا من مواردهم الشخصية في تغطية احتياجات العمل بعد اندلاع الحرب، حرصاً على استمرار المؤسسة وأداء رسالتها الإعلامية في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.
كما أولت اهتماماً خاصاً بوحدة التلفزيون «TVU» في الوكالة، التي شهدت خلال فترة إشرافها تطوراً أسهم في تعزيز بعض جوانب الأداء داخل المؤسسة.
بورتسودان.. النزوح الثاني
في ديسمبر 2023، وبعد اجتياح قوات الدعم السريع ولاية الجزيرة ودخولها مدينة ود مدني، واجهت الوكالة ضرورة الانتقال مرة أخرى، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل في بورتسودان، التي أصبحت مقراً مؤقتاً لعدد من مؤسسات الدولة.
وجاء النزوح الثاني في ظروف أكثر صعوبة، تطلبت إعادة ترتيب العمل في موقع جديد، والتعامل مع تحديات المقار والإمكانات والكوادر، وضمان استمرار إصدار الأخبار والتغطيات الرسمية.
وبعد مباشرة إجراءات نقل إدارة الوكالة إلى بورتسودان، جرى تكليف الأستاذ إبراهيم موسى بتولي المهمة، في سياق مواصلة العمل المؤسسي والحفاظ على استمرارية “سونا”.
وفي تلك المرحلة، تطلب إعادة تشغيل الوكالة تهيئة بيئة عمل بديلة والتكيف مع آثار النزوح، في وقت كانت فيه الحرب تلقي بظلالها على المؤسسات الإعلامية والبنية التحتية والموارد المتاحة.
قيادة مؤسسة تحت ضغط الحرب
أظهرت تجربة إدارة “سونا” خلال الحرب حجم المسؤوليات التي تواجه قيادة المؤسسات الإعلامية في الأزمات الممتدة؛ إذ تتداخل المهام التحريرية والإدارية مع التحديات الأمنية والإنسانية، ويصبح الحفاظ على العاملين واستمرار العمل جزءاً أساسياً من المسؤولية المهنية.
وفي حالة فكرية أبا يزيد، اجتمعت الخبرة الطويلة في التحرير والإشراف مع ضرورة التعامل مع انتقال الوكالة بين ثلاث مدن، بدءاً من الخرطوم، مروراً بود مدني، وانتهاءً ببورتسودان. وقد فرض هذا المسار تحديات متلاحقة على سير العمل، واستدعى إعادة ترتيب الأولويات وفقاً للظروف المتغيرة.
وتكتسب تجربتها أهمية أيضاً في سياق مشاركة المرأة السودانية في قيادة المؤسسات الإعلامية الرسمية. فبعد أن سبقتها نعمات محمد بلال إلى منصب المدير العام للوكالة، جاءت تجربة فكرية لتضيف محطة أخرى إلى مسار وصول النساء إلى مواقع القيادة في الإعلام السوداني.
مسيرة تستحق التوثيق
تظل تجربة فكرية أبايزيد محمد جزءاً من المرحلة التي عاشتها وكالة السودان للأنباء منذ اندلاع الحرب، بما تضمنته من انتقالات اضطرارية وتحديات مهنية وإنسانية. وهي تجربة تجمع بين مسيرة صحفية طويلة، وتأهيل أكاديمي متقدم، وخبرة في إدارة العمل التحريري، ومسؤولية قيادية في ظرف استثنائي.
وفي اليوم العالمي للمدير، تستحق هذه المسيرة أن تُقرأ في إطارها المهني والوطني، بوصفها تجربة لامرأة تولت قيادة مؤسسة إعلامية رسمية في مرحلة صعبة، وسعت إلى المحافظة على استمرارية عملها وسط ظروف الحرب والنزوح.
إن توثيق هذه التجربة يفتح المجال كذلك أمام قراءة أوسع لتاريخ الإعلام السوداني خلال الحرب، وما واجهته مؤسساته من تحديات، وما بذله الصحفيون والعاملون من جهود لمواصلة أداء مهامهم في ظل أوضاع غير مستقرة.
فكرية أبا يزيد.. تجربة إعلامية ارتبطت بمرحلة استثنائية، ومسار مهني يضاف إلى سجل النساء السودانيات اللواتي تولين مسؤوليات قيادية في ظروف بالغة التعقيد.
