
بدون فواصل
بقلم: رشا أحمد البشير
حكومة الأمل أم حكومة الأحلام؟
حينما ينفصل المسؤول عن معاناة الشعب
تستحضرني الحكاية الشهيرة المنسوبة إلى ملكة فرنسا ماري أنطوانيت، حين قيل لها إن الشعب جائع ولا يجد الخبز، فنُسب إليها الرد: «فليأكلوا الكعك». وبغض النظر عن صحة هذه الرواية التاريخية، فقد تحولت إلى رمز لانفصال الحاكم عن واقع شعبه، حين يعيش المسؤول بعيدًا عن معاناة الناس، فلا يرى من أزماتهم إلا ما تنقله التقارير، ولا يدرك من ضيقهم إلا ما تسمح به المسافة بين مكتبه والشارع.
وقد تبدو الحكاية بعيدة عن واقعنا السوداني، لكنها تعود إلى الذاكرة كلما اتسعت المسافة بين الخطاب الرسمي والحياة اليومية للمواطن. ومن هنا يفرض السؤال نفسه: هل نحن أمام حكومة الأمل أم حكومة الأحلام؟ وهل أصبح الأمل واقعًا يلمسه المواطن في حياته، أم مجرد اسم جميل تتصدر به الحكومة المشهد، بينما ينتظر الناس أن تتحول الوعود إلى إنجازات؟
لقد أثار حديث رئيس الوزراء كامل إدريس عن الحالة الصحية لبابا الفاتيكان تساؤلات حول ترتيب الأولويات في الخطاب الحكومي. وليس الاعتراض على التضامن الإنساني مع مريض، أيًا كان موقعه أو جنسيته، فذلك موقف إنساني لا خلاف عليه، وإنما جوهر المسألة هو مدى حضور معاناة المواطن السوداني في اهتمامات الحكومة وخطابها. فالسوداني الذي يواجه أزمات متلاحقة لا ينتظر من مسؤوليه مجرد التعبير عن المواقف، بل ينتظر أن يرى أثر المسؤولية في القرارات التي تمس حياته واحتياجاته الأساسية.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: لماذا لم نسمع من رئيس الوزراء القدر نفسه من الاهتمام بمعاناة المواطن السوداني وهو يواجه أزمات متلاحقة تثقل كاهله وتضيّق عليه سبل الحياة؟ لماذا لم نسمع تعبيرًا واضحًا عن القلق إزاء أزمة الوقود التي عطّلت مصالح الناس وأربكت حياتهم وأثّرت في مصادر رزقهم؟ أليس المواطن السوداني أولى بهذا الاهتمام وهو الذي ينتظر من حكومته أن تشعر بوجعه وتتحرك لمعالجة أزماته؟ أم أن معاناة الشعب أصبحت آخر اهتمامات حكومة الأمل حتى اتسعت الهوة بين أولويات المسؤول وواقع المواطن؟
ألم ترَ الحكومة طوابير السيارات أمام محطات الوقود؟ ألم تصلها شكاوى المواطنين الذين يقضون ساعات طويلة في انتظار البنزين أو الجازولين، ثم يغادر بعضهم دون أن يحصل على حاجته؟ ألم تدرك أن سائقي المواصلات وأصحاب المركبات لا يواجهون مجرد نقص في سلعة، وإنما أزمة تهدد مصادر رزقهم وتعطل أعمالهم وتضاعف أعباءهم اليومية؟
لقد تجاوزت أزمة الوقود حدود محطات التعبئة، وأصبحت تمس تفاصيل الحياة كلها. فالمواطن يقف أمام خيارين أحلاهما مر، إما أن يهدر ساعات من عمره في طابور طويل، وإما أن يلجأ إلى السوق الموازية ويدفع سعرًا أعلى إن استطاع. وسائق المواصلات الذي يعتمد على عمله لإعالة أسرته قد يقضي يومه في البحث عن الوقود أكثر مما يقضيه في العمل، لينتهي به الأمر إلى خسارة الوقت والمال معًا.
وحين يتعطل الوقود تتعطل معه مصالح الناس، وتتأخر حركة البضائع، وترتفع تكاليف النقل، وتنتقل آثار الأزمة إلى أسعار السلع والخدمات. وهكذا يجد المواطن نفسه أمام أعباء جديدة لم يخترها، لكنه مضطر إلى تحمل نتائجها، فيما تتراجع قدرة أصحاب الأعمال على الاستمرار، وتزداد مشقة الوصول إلى أماكن العمل والدراسة وقضاء الاحتياجات الأساسية. إنها أزمة تتجاوز المركبات إلى الأسواق والبيوت ومصادر الدخل، وتمتد آثارها إلى كل من تعتمد حياته على حركة لا ينبغي أن تتوقف.
إن المواطن لا يطلب من حكومته أن تعبّر عن القلق في كل مناسبة ولا ينتظر منها خطابًا يتكرر فيه أن الأوضاع ستتحسن. وإذا كانت الحكومة لا تستطيع منع كل أزمة من الحدوث فإنها مسؤولة عن سرعة الاستجابة لها وكفاءة إدارتها ومنع تحولها إلى عبء دائم على المواطنين. وليس مقبولًا أن يصبح تكرار الأزمات أمرًا معتادًا وأن يتحول الانتظار والمعاناة إلى جزء طبيعي من حياة الناس.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الحكومة من إدارة التصريحات إلى إدارة الأزمات، وأن تدرك أن المنصب العام ليس موقعًا للمشاهدة، ولا مساحة للظهور عند اشتداد الأحداث، وإنما مسؤولية يومية تتطلب اتخاذ القرار ومتابعة التنفيذ وتحمل نتائج الإخفاق. فالمواطن لا يطالب بالمستحيل، وإنما يطالب بأبسط شروط الحياة التي يفترض أن تعمل مؤسسات الدولة على تأمينها، وبأداء حكومي يشعره بأن معاناته تقع في صميم الاهتمام، لا على هامشه.
أما حكومة الأمل، فإن اسمها يضعها أمام اختبار لا يمكن تجاوزه بالشعارات. فالأمل ليس أن يقال للناس إن الأمور ستتحسن، وإنما أن يجدوا ما يدل على أن التحسن قد بدأ بالفعل. وليس المطلوب أن تكون الحكومة قادرة على حل كل المشكلات في يوم واحد، بل أن تثبت أنها تعرف طريق الحل، وتمتلك الإرادة لتنفيذه، وتتحمل مسؤولية ما تعجز عن إنجازه. عندها فقط يصبح الأمل معنى يعيشه المواطن، لا عنوانًا يسمعه بينما يواجه واقعًا يناقضه.
ومن هنا نقولها بوضوح كما قلناها سابقاً إن من لا يستطيع إيجاد الحلول لمشكلات المواطنين فليغادر موقعه غير مأسوف عليه .
فالمناصب العامة ليست امتيازاً دائماً وإنما مسؤولية ترتبط بالقدرة على الإنجاز. ومن لا يريد المغادرة طوعاً فعلى الجهات المختصة أن تحاسبه وأن تقيله من منصبه إذا عجز عن أداء واجباته. فلا يجوز أن يبقى المواطن أسير الأزمات بينما يبقى المسؤول في مكانه بلا حساب..
ومن أراد أن يحلم فليحلم بعيداً عن كراسي الحكم . فالسودان لا يُدار بالأحلام والمواطن ليس ملزماً بأن يعيش كوابيس الواقع كي ينعم المسؤول بأحلام اليقظة.