“سنعود ويعود السودان”.. عندما تصبح الدراما وطناً ورسالة لإعادة بناء الوعي

رقية الشفيع
ــ في وقت يعيش فيه السودان تداعيات الحرب والنزوح واللجوء، وتتعاظم فيه الحاجة إلى استعادة التماسك الاجتماعي وإعادة بناء الهوية الوطنية، يطرح الكاتب والأديب والاقتصادي الدكتور جلال حامد مشروعاً درامياً يحمل عنوان “سنعود ويعود السودان”، مستنداً إلى رؤية فكرية وثقافية تتجاوز حدود العمل الفني التقليدي، لتقدم الدراما بوصفها وسيلة للمساهمة في إعادة بناء الوطن والإنسان.
ويطرح المسلسل، من خلال فكرته الأساسية، سؤالاً يتجاوز حدود الشاشة: هل تستطيع الدراما السودانية أن تصبح أداة فاعلة في إعادة بناء الوطن، وترميم النسيج الاجتماعي، وتأسيس وعي جديد يتجاوز الانقسامات التي عمّقتها الحرب؟
وفي حديثه يوضح الدكتور جلال حامد أن الفكرة المحورية للمسلسل تقوم على مفهوم “سنعود”، وهي عودة لا تقتصر على رجوع السودانيين من النزوح واللجوء، أو تجاوز آثار الألم والانكسار، وإنما تمتد إلى استعادة السودان نفسه، وفق رؤية جديدة لوطن يتسع لجميع أبنائه.
ويؤكد أن السودان الذي يتطلع إليه المشروع الدرامي ليس بالضرورة امتداداً للصورة القديمة، وإنما وطن جديد يقوم على المواطنة والمساواة، ويتجاوز العنصرية والجهوية، ويستمد قوته من وحدته وتنوعه وإمكاناته الاقتصادية والعلمية.
وتتمثل ملامح هذه الرؤية في بناء سودان بلا عنصرية، لا يُقاس فيه الإنسان بقبيلته أو لونه، وإنما بعطائه وانتمائه الوطني، وسودان يتجاوز الانتماءات الجهوية الضيقة إلى رحابة الانتماء للوطن الواحد، ويستمد قوته من وحدة أبنائه وتنوعهم الثقافي والاجتماعي، واقتصاده وعلمه.
كما تتطلع الفكرة إلى سودان يسع الجميع، باعتبار ذلك مبدأً يتجاوز الشعارات السياسية والاستهلاك اللفظي، ليصبح دستوراً للحياة، وبيتاً كبيراً يحتضن السودانيين على اختلاف سحناتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم.
الدراما.. قوة ناعمة لإعادة بناء المجتمع
ومن واقع تجربته التي تجمع بين الاقتصاد والأدب، يرى الدكتور جلال حامد أن إعادة بناء الأوطان لا تتحقق بالاقتصاد وحده، كما أن السياسة، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع بمفردها توحيد الشعوب. وهنا تبرز أهمية الدراما باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة القادرة على التأثير في الوعي المجتمعي وتغيير أنماط التفكير والسلوك.
ويشير إلى أن الدراما تستطيع مناقشة القضايا المسكوت عنها، وفي مقدمتها العنصرية والقبلية، ووضعها أمام المجتمع للنقد والمراجعة من خلال قصص وشخصيات ومواقف إنسانية تصل إلى ملايين المشاهدين داخل بيوتهم، بعيداً عن أسلوب المحاضرات المباشرة.
كما تسهم في تفكيك خطاب الكراهية، من خلال تقديم الآخر بوصفه شريكاً في الوطن والهموم والآمال، فضلاً عن دورها في بناء الوعي الجمعي لدى الأجيال الجديدة، وترسيخ قناعة بأن التنوع السوداني يمثل ثروة وطنية ومصدراً للقوة، وليس سبباً للصراعات والحروب.
ويكتسب هذا الدور، بحسب رؤيته للمشروع، أهمية مضاعفة في المرحلة الراهنة، إذ كشفت الحرب أن إعادة بناء البنية التحتية، وإنشاء الطرق والسدود، لا تكفي وحدها لإقامة وطن مستقر ما لم يصاحبها اهتمام ببناء الإنسان وترميم علاقاته الاجتماعية وتعزيز وعيه الوطني.
ومن هذا المنطلق، يقدم مسلسل “سنعود ويعود السودان” رسالة مفادها أن الحرب ستنتهي، وأن البيوت والمدن ستُبنى من جديد، غير أن التحدي الأكبر يتمثل في إعادة بناء العقول والقلوب على أساس الإيمان بوطن واحد يتسع للجميع.
ويختصر الدكتور جلال حامد فلسفة المشروع في أن الفن ليس ترفاً ثقافياً، وإنما وسيلة للبناء والتغيير. فكما فرّقت الحرب السودانيين بالسلاح، يمكن للدراما الواعية أن تسهم في جمعهم بالمحبة والوعي، وأن تجعل من إعادة إعمار الخرطوم والمدن المتضررة جزءاً من مشروع أوسع لإعادة إعمار فكرة السودان في وجدان أبنائه.
تصوير في خمس دول.. وتجارب مختلفة لخدمة الفكرة
وعلى الصعيد الفني، يرى صاحب المشروع أن عملاً درامياً يحمل فكرة “وطن يسع الجميع” يحتاج إلى معالجة فنية تتناسب مع عمق رسالته، ولا يمكن تنفيذه وفق القوالب التقليدية المعتادة.
وفي هذا الإطار، جرى تصوير المسلسل في خمس دول هي السودان ومصر وقطر والولايات المتحدة الأمريكية ورواندا، في تجربة تستفيد من تنوع البيئات والتجارب الإنسانية، وتقدم رواندا نموذجاً لدولة واجهت ظروفاً صعبة وتمكنت من النهوض واستعادة قدر من القوة والتماسك.
ويعكس اختيار مواقع التصوير في هذه الدول توجهاً لتقديم الفكرة في إطار يتجاوز الحدود الجغرافية، ويستحضر تجارب مختلفة في مواجهة الأزمات وإعادة بناء المجتمعات.
المسرح والدراما في حياة السودانيين.. أكثر من وسيلة للترفيه
ولا تنفصل رؤية الدكتور جلال حامد عن المسلسل عن اهتمامه بالدور الأوسع للمسرح والدراما في حياة الإنسان السوداني، خصوصاً في ظل الظروف النفسية والاجتماعية التي أفرزتها الحرب.
فإن المسرح، وفق تصوره، يمثل امتداداً طبيعياً للثقافة السودانية القائمة على الحكي والتواصل الشفهي و”الونسة”، وهي تقاليد متجذرة في المجتمع منذ حلقات الحكامات ومجالس الجودية، حيث كان الحوار وتبادل الروايات وسيلتين للتعبير عن التجارب الإنسانية ومعالجة القضايا الاجتماعية.
ومن هنا، يمكن النظر إلى المسرح باعتباره ديواناً للسودان الحديث، ومساحة ثقافية يلتقي فيها الناس على قدم المساواة بوصفهم جمهوراً، بعيداً عن الفوارق الاجتماعية والجهوية والقبلية.
كما يكتسب المسرح أهمية خاصة بوصفه مساحة للتفريغ النفسي والتعافي الجماعي، بعد ما عاشه السودانيون من صدمات الحرب والنزوح والفقد. فإن مشاهدة الإنسان لمعاناته مجسدة على خشبة المسرح تمنحه فرصة للتعبير عن مشاعره بالبكاء والضحك والصراخ، وتساعده على إدراك أنه ليس وحده في مواجهة الألم والتجربة القاسية.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم العلاج بالدراما، الذي يتيح للفرد والمجتمع التعبير عن التجارب المؤلمة ومواجهتها من خلال الأداء والتمثيل والتفاعل الجماعي.
أما الدور الثالث للمسرح، فيتمثل في كونه مدرسة لترسيخ الوطنية وقيم المواطنة. فبينما يتعلم الإنسان القراءة في المدرسة ويتلقى تعاليم الدين في المسجد، يتيح له المسرح فرصة التعرف إلى الآخر وفهم تجربته الإنسانية، من خلال تقمص شخصيات مختلفة والاستماع إلى وجهات نظر متعددة.
ويسهم هذا التفاعل في تعزيز التسامح وقبول الآخر، وترسيخ ثقافة الحوار، وتعليم قيم الديمقراطية والتعايش، بما يساعد على بناء مفهوم أوسع للهوية السودانية الجامعة.
معركة الوعي.. مسؤولية تتجاوز العمل الدرامي
وتؤكد فكرة مسلسل “سنعود ويعود السودان” أن معركة السودان في المرحلة المقبلة لن تكون عسكرية أو اقتصادية فحسب، وإنما ستكون أيضاً معركة وعي وثقافة وهوية، تتطلب مشاركة المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمبدعين والمجتمع المدني.
وهنا، تبرز مجموعة من المقترحات التي من شأنها تعزيز دور الدراما والمسرح في مرحلة ما بعد الحرب، من بينها:
• دعم كتابة وإنتاج النصوص الدرامية التي تتناول قضايا الهوية الوطنية والتعايش السلمي ومناهضة العنصرية والجهوية.
• إنشاء ورش مسرحية في معسكرات النزوح واللجوء، تتيح للمتأثرين بالحرب التعبير عن تجاربهم والمشاركة في أنشطة ثقافية تسهم في التعافي النفسي والاجتماعي.
• تبني الدولة والقطاع الخاص للأعمال الدرامية والمسرحية الهادفة، وإدراجها ضمن مشروع وطني شامل لإعادة الإعمار الثقافي.
• إدخال الدراما والمسرح في المناهج والأنشطة المدرسية باعتبارهما من الوسائل التربوية المهمة في بناء جيل يؤمن بالمواطنة ويرفض العنصرية ويقبل الآخر.
“سنعود” في رمضان المقبل.. وتجارب درامية سابقة
ومن المقرر عرض مسلسل “سنعود ويعود السودان” خلال شهر رمضان المقبل، ليشكل إضافة إلى تجربة الدكتور جلال حامد في توظيف الدراما لمعالجة القضايا الاجتماعية والوطنية.
وسبق له كتابة مسلسل “سكة ضياع”، الذي تناول مشكلات الإدمان وآثاره الاجتماعية والإنسانية، ومسلسل “دروب العودة”، الذي سلط الضوء على قضايا الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر.
وتأتي هذه التجارب في سياق اهتمامه بتقديم أعمال درامية تتناول قضايا المجتمع وتلامس تحدياته الواقعية، مع توظيف الفن في نشر الوعي ومناقشة الظواهر التي تستدعي المعالجة.
وبين العودة من المنافي وإعادة بناء المدن وترميم العلاقات بين أبناء الوطن، يطرح مسلسل “سنعود ويعود السودان” تصوراً لدور يتجاوز حدود الدراما بوصفها عملاً ترفيهياً، ليجعل منها مساحة للحوار والمراجعة واستعادة الثقة، ورسالة ثقافية تؤكد أن بناء السودان يبدأ بإعادة بناء الإنسان، وترسيخ إيمانه بوطن يتسع للجميع.