مقالات الرأي
أخر الأخبار

السودان تحت نيران المسيّرات.. الدعم السريع ينقل الحرب إلى محطات الكهرباء ومرافق الحياة بقلم أحمد إسماعيل حسن

السودان تحت نيران المسيّرات.. الدعم السريع ينقل الحرب إلى محطات الكهرباء ومرافق الحياة: عندما تصبح الخدمات المدنية هدفاً للسلاح

 

بقلم:احمد اسماعيل حسن

لم تعد الحرب الدائرة في السودان محصورة في ميادين المواجهات العسكرية أو خطوط الاشتباك بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، بل أخذت منحى أكثر خطورة مع اتساع دائرة الهجمات التي تستهدف البنية التحتية والمنشآت الخدمية والأعيان المدنية، في تطور يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الأهداف التي تسعى المليشيا إلى تحقيقها من وراء توسيع نطاق عملياتها بالطائرات المسيّرة، ونقل المعركة من مواقع المواجهة العسكرية إلى المرافق التي تقوم عليها حياة المواطنين اليومية.

فخلال الأيام الأخيرة، شهدت ولايات سودانية متعددة هجمات متكررة استهدفت محطات توليد ونقل وتوزيع الكهرباء، ومنشآت الوقود ومرافق خدمية أخرى، في تصعيد لافت طال ولايات الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض والخرطوم وجنوب كردفان ونهر النيل والولاية الشمالية.

وبحسب تقارير الرصد الصادرة في 30 أكتوبر 2026، تعرضت نحو عشر محطات ومنشآت كهربائية لهجمات متتابعة خلال الفترة من 26 إلى 29 أكتوبر، فيما تحدثت تقارير لاحقة عن اتساع نطاق الاستهداف ليشمل نحو 14 محطة ومنشأة كهربائية خلال أسبوع واحد، الأمر الذي تسبب في انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي وأضرار طالت الشبكة القومية ومرافق حيوية تعتمد على الإمداد الكهربائي.

ولم تكن محطة المقرن أو المرافق المستهدفة في أم درمان والجزيرة والنيل الأبيض وجنوب كردفان بمعزل عن هذه التطورات، إذ امتدت الهجمات إلى محطة أم دباكر ومحطات فرعية أخرى، وصولاً إلى محطة شندي في ولاية نهر النيل ومحطتي أبو حمد والدبة، وفقاً للتقارير المنشورة في مطلع نوفمبر الجاري.

هذه الوقائع، التي نسبت تقارير إعلامية ورصدية مسؤوليتها إلى مسيّرات الدعم السريع، تضع البلاد أمام نمط متصاعد من العمليات التي تتجاوز استهداف المواقع العسكرية إلى إلحاق الضرر بالبنية التحتية التي يعتمد عليها المدنيون في تأمين احتياجاتهم الأساسية.

من استهداف المنشآت إلى استهداف حياة المواطنين

إن خطورة هذه الهجمات لا تكمن فقط في حجم الخسائر المادية التي تلحق بمحطات الكهرباء ومنشآت الوقود، وإنما في طبيعة التداعيات المتسلسلة التي تترتب عليها.

فالكهرباء ليست مجرد خدمة قابلة للاستغناء عنها، بل تمثل شرياناً أساسياً لاستمرار الحياة. وتعطل محطات التوليد والتحويل والنقل يعني عملياً تهديد إمدادات المياه، وتعطيل المستشفيات ومراكز غسيل الكلى وغرف العمليات والعناية المكثفة، فضلاً عن تأثر المخابز ومؤسسات التعليم والاتصالات والمنشآت الإنتاجية.

وفي بلد يعيش أصلاً أوضاعاً إنسانية واقتصادية بالغة التعقيد جراء الحرب والنزوح وتراجع الخدمات، فإن انقطاع الكهرباء لفترات طويلة يضاعف معاناة الأسر، ويرفع تكاليف المعيشة، ويجعل الحصول على مياه الشرب والخدمات الصحية أكثر صعوبة.

وتتضاعف هذه المعاناة عندما يمتد الاستهداف إلى مستودعات الوقود ومحطات الإمداد، باعتبار أن الوقود يمثل عصباً رئيسياً لتشغيل المستشفيات ومضخات المياه ووسائل النقل والمخابز والمولدات الاحتياطية.

وبذلك يصبح المواطن السوداني هو المتضرر الأول، سواء كان مقيماً في منطقة بعيدة عن العمليات العسكرية أو نازحاً يبحث عن الحد الأدنى من مقومات الحياة.

فما الذي يعنيه أن يستيقظ المواطن على انقطاع الكهرباء، وأن يجد المستشفى عاجزاً عن تشغيل أجهزته، وأن تتوقف محطة المياه عن ضخ المياه، وأن ترتفع تكلفة الحصول على الوقود؟ إنها معاناة لا تتوقف عند حدود المنشأة المستهدفة، وإنما تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية لملايين السودانيين.

استهداف البنية التحتية.. ماذا يقول القانون الدولي الإنساني؟

من الناحية القانونية، يضع القانون الدولي الإنساني قواعد واضحة لتنظيم سير العمليات العسكرية، ويُلزم جميع أطراف النزاع المسلح بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر توجيه الهجمات إلى المدنيين أو المنشآت المدنية التي لا تشكل أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتستند هذه الحماية إلى ثلاثة مبادئ أساسية:

أولاً: مبدأ التمييز: الذي يوجب على أطراف النزاع التمييز الدائم بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ويحظر استهداف المنشآت المدنية لمجرد أنها تقع ضمن نطاق العمليات العسكرية أو تخضع لسيطرة طرف من أطراف النزاع.

ثانياً: مبدأ التناسب: الذي يحظر شن هجمات يُتوقع أن تسفر عن خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم أو أضرار بالأعيان المدنية تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة من الهجوم.

ثالثاً: مبدأ الاحتياطات الواجبة: الذي يلزم أطراف النزاع باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين والمنشآت المدنية، والتحقق من طبيعة الأهداف قبل مهاجمتها، وإلغاء الهجوم أو تعليقه إذا تبين أن الهدف ليس عسكرياً أو أن الأضرار المتوقعة على المدنيين ستكون مفرطة.

وهذه المبادئ ليست مجرد قواعد أخلاقية، بل التزامات قانونية تنطبق على جميع أطراف النزاعات المسلحة، بما فيها النزاعات المسلحة غير الدولية.

ويشير دليل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما القاعدة رقم (54)، إلى حظر مهاجمة أو تدمير أو تعطيل الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، كما تؤكد القاعدة رقم (7) ضرورة التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية.

وتزداد أهمية هذه القواعد عندما يتعلق الأمر بمنشآت المياه والطاقة والمرافق التي يؤدي تعطيلها إلى حرمان السكان من الخدمات الضرورية للحياة.

ولا يعني ذلك أن كل منشأة كهربائية أو وقود تتمتع بحصانة مطلقة في جميع الظروف؛ إذ قد تكتسب بعض المنشآت صفة الهدف العسكري إذا استوفت الشروط القانونية المحددة لذلك. غير أن مجرد احتمال استخدامها في دعم نشاط عسكري لا يمنح أي طرف حق استهدافها دون تقييم طبيعتها ووظيفتها والميزة العسكرية المباشرة المتوقعة، ومراعاة الأضرار المدنية المباشرة وغير المباشرة التي قد تترتب على الهجوم.

وعليه، فإن تكرار استهداف المنشآت الكهربائية والخدمية، واتساع نطاق الأضرار الناتجة عنها، يستوجبان تحقيقات مستقلة لتحديد طبيعة كل هجوم ومدى توافقه مع قواعد القانون الدولي الإنساني، وما إذا كانت تلك الهجمات ترقى إلى انتهاكات جسيمة أو جرائم حرب وفقاً للأدلة والوقائع المتاحة.

عقاب جماعي يدفع المواطن ثمنه

إن أخطر ما في هذا التطور هو أن اتساع دائرة الاستهداف لتشمل محطات الكهرباء والوقود والمرافق الخدمية يضع حياة المدنيين ومصالحهم الأساسية في دائرة الخطر، ويثير مخاوف من تحول الخدمات العامة إلى أدوات ضغط في سياق الحرب.

فالمواطن الذي لا يحمل سلاحاً، ولا يشارك في العمليات العسكرية، ولا علاقة له بقرارات أطراف النزاع، يجد نفسه مضطراً لدفع فاتورة حرب لم يخترها، ويتحمل تبعات عمليات عسكرية لا يملك إيقافها.

وتبدو المفارقة أكثر قسوة عندما تصبح محطات الكهرباء ومرافق المياه والمستشفيات والمخابز عرضة للتدمير، بينما تتجه احتياجات المواطنين إلى الازدياد في ظل النزوح والفقر وتراجع القدرة الشرائية.

إن حرمان السكان من الخدمات الأساسية أو تعريضهم لمخاطر صحية ومعيشية واسعة بسبب تعطيل المنشآت الحيوية يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى احترام أطراف الحرب لالتزاماتها تجاه المدنيين، وحول الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها العمليات العسكرية مهما كانت المبررات.

المجتمع الدولي أمام اختبار المسؤولية

إن ما يحدث في السودان لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد تطور عسكري عابر أو أضرار جانبية تفرضها طبيعة الحرب، بل باعتباره قضية تتصل مباشرة بحماية المدنيين وصون الأعيان المدنية وضمان استمرار الخدمات الأساسية.

وقد شدد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في إحاطاته خلال أكتوبر، على خطورة الهجمات التي تطال البنية التحتية المدنية وتؤثر في الخدمات الأساسية، داعياً أطراف النزاع إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني.

كما أن قرار مجلس الأمن رقم (2573) الصادر في أبريل 2021 أكد أهمية حماية البنية التحتية المدنية الضرورية لتقديم الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والصرف الصحي والطاقة والرعاية الصحية، وحماية العاملين المسؤولين عن تشغيلها وصيانتها وإصلاحها.

ومن هنا تبرز ضرورة تحرك المنظمات الدولية والحقوقية لتوثيق الهجمات، والتحقق من الجهات المسؤولة عنها، وحصر الأضرار والخسائر البشرية والمادية، وتقييم آثارها الإنسانية على السكان.

كما تبرز أهمية مطالبة الجهات المختصة بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة، وعدم السماح بإفلات المسؤولين عن الانتهاكات التي تثبتها الأدلة من المساءلة القانونية.

الخلاصة.. الحرب لا تمنح أحداً حق استباحة حياة المدنيين

إن استهداف محطات الكهرباء والوقود والمنشآت الخدمية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد استهداف لمبانٍ أو معدات أو منشآت اقتصادية، فهذه المرافق تمثل شرايين الحياة التي يعتمد عليها ملايين السودانيين.

والتمييز بين استهداف هدف عسكري واستهداف منشأة مدنية ليس تفصيلاً قانونياً يمكن تجاوزه، وإنما هو جوهر القواعد التي وضعت لحماية الإنسان في أوقات الحرب.

فالحرب، مهما بلغت قسوتها، لا تسقط حق المدنيين في الحياة والأمن والعلاج والمياه والكهرباء، ولا تمنح أي طرف تفويضاً مفتوحاً لتحويل مرافق الخدمات إلى ساحات للعمليات العسكرية.

وإذا كانت المعارك تُخاض في ميادين القتال، فإن نقلها إلى محطات الكهرباء ومخازن الوقود ومرافق المياه والخدمات يعني أن دائرة الخطر أصبحت تحاصر المجتمع بأسره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى