محمد علي عبد الله يكتب : رحل رجل الدولة والإقتصاد .. صفحات من مسيرة عطاء د. عثمان الهادي

محمد علي عبد الله يكتب :
رحل رجل الدولة والإقتصاد .. صفحات من مسيرة عطاء د. عثمان الهادي
في سجل وزارة التجارة السودانية، برزت أسماء تركت بصمات لا تُمحى، لكن قليلون هم الذين جمعوا بين المهنية والإنسانية، وبين الوطنية والقدرة على الإنجاز. ومن هؤلاء الدكتور عثمان الهادي إبراهيم، وزير التجارة الأسبق، الذي رحل عن دنيانا تاركًا إرثًا من المواقف المشرفة والقرارات الحكيمة التي ستظل شاهدة على عهده.
لقد عاصرته عن قرب وعملت معه مباشرة، فكان رجلًا قوميًا بحق، خلع جلباب الحزبية الضيقة وارتدى رداء الوطن، فلم يكن يميز بين موظف وآخر على أساس الانتماء السياسي أو الجغرافي، بل كان معيارُه الوحيد هو الكفاءة والجدارة وإنجاز العمل للمصلحة العامة. لم يعرف العصبية المناطقية، ولم يكن يعنيه من أي إقليم جاء الموظف، بل كان همه الأول والأخير هو خدمة الوزارة والوطن.
حينما رفعت الإنقاذ شعار التمكين، كان موقفه الشهير “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”، فرفض إحالة أي موظف للصالح العام، مثبتًا أن العدالة والإنصاف فوق الولاء السياسي. وقف بجانب العاملين البسطاء ضد تغول القيادات، وأصر على توفير مكتب لمشروع ربط الوزارة بمنظمة التجارة العالمية حتى لو كان مكتب الوكيل نفسه، فكان حاسمًا في قراراته، عادلًا في مواقفه.
في عهده توسعت الملحقيات التجارية بالخارج لدعم الصادرات السودانية، وكان له دور بارز في تخصيص ملحقية تجارية بجنيف لتعزيز حضور السودان في الأسواق العالمية. كما أطلق مشروعات استثمارية لدعم العاملين، مثل مزرعة الوزارة وعيادة وصيدلية، وأسهم في تأسيس نادي التجاريين، وحرص على تحسين دخول الموظفين ودعمهم اجتماعيًا واقتصاديًا.
انتعشت التجارة الخارجية في عهده، فزادت الصادرات ورُشدت الواردات، مما ساعد في توفير العملات الصعبة للدولة، كما نشطت المشاركة في المعارض الدولية والإقليمية والوطنية. وكان مدافعًا شرسًا عن صلاحيات الوزارة، حتى أنه قدّم استقالته حين صدر قرار بسحب ملف منظمة التجارة العالمية من الوزارة، مما أجبر القيادة على التراجع وإعادة الملف.
ورغم انتمائه للجبهة الإسلامية، إلا أنه كان يتعامل بروح وطنية جامعة، وهو ما طبّقه أيضًا عندما كان واليًا لشمال كردفان، حيث استوعب جميع الأحزاب لخدمة الولاية، فحظي برضا مواطنيها. نادرًا ما تجد مسؤولًا لم يُشتك منه أحد من موظفيه، لكن د. عثمان كان استثناءً، إذ أجمع العاملون على احترامه وتقدير عدالته وإنسانيته.
ومايحسب له عندما كان واليا لولاية شمال كردفان انجازه الضخم فى حل مشكلة الامداد المائى بمدينة الابيض من حوض بارا الجوفى؛؛كان وقتها حدث كبير جدا ؛؛
لقد كان الفقيد سودانيًا قوميًا حتى الثمالة، ورجلًا ترك أثرًا طيبًا يمشي بين الناس، خاصة في وزارة التجارة التي ستظل شاهدة على بصماته.
بقلب مؤمن بقضاء الله وقدره، ننعى المغفور له بإذن الله تعالى الدكتور عثمان الهادي إبراهيم، وزير التجارة الأسبق، الذي وافته المنية تاركًا إرثًا من الوطنية والعدل والإنجاز. رحل الرجل العظيم، لكن ذكراه ستظل حية في وجدان زملائه وموظفيه وكل من عرفه. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
يذكر ان د.عثمان الهادي ابراهيم نشأ وولد في ولاية النيل الأبيض، درس بمدرسة الأميرية القطينة، ثم وادي سيدنا الثانوية بأم درمان، وتخرج في جامعة الخرطوم – كلية الاقتصاد، تخصص اقتصاد سياسي عام 1975.
– النشاط الطلابي: كان ناشطاً في الجمعيات الأدبية والثقافية، عمل سكرتيراً لمجلة جامعة الخرطوم، وشارك بفاعلية في اتحاد الجامعة والحركة الإسلامية.
– المسيرة المهنية: بدأ عمله في شركة التأمين الوطنية، ثم ساهم في تأسيس شركة التأمين الإسلامية بالسودان عام 1978، وكان له دور محوري في إدخال التأمين الإسلامي إلى المملكة العربية السعودية عام 1981، وأسهم في انتشار فكرة التكافل عبر شركة شيكان التي أصبحت من كبريات شركات التأمين في الشرق الأوسط.
– المناصب القيادية:
– وزير التجارة (1996).
– وزير الزراعة (1998).
– والي ولاية شمال كردفان (2001)، ثم والي ولاية الخرطوم.
– رئيس مجلس إدارة عدد من المؤسسات الاقتصادية والبنوك، منها بنك فيصل الإسلامي وبنك أم درمان الوطني والشركة الوطنية للبترول.
– الإسهامات الإنسانية: أنشأ صناديق خيرية لدعم المحتاجين وعلاج الفقراء، واهتم برعاية الأيتام ومساعدة الطلاب والشباب في الزواج والعمل.
– الصفات الشخصية: عُرف بتدينه وكرمه وعدله، وبحسن تعامله مع أسرته وأهله والمجتمع، وكان قائداً بالفطرة محباً للخير ومسانداً للضعفاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون