مجدي الروبي يكتب…. حين يجلس القائد بين الناس… البرهان يكتب درساً في تواضع الحكم

مجدي الروبي يكتب….
حين يجلس القائد بين الناس… البرهان يكتب درساً في تواضع الحكم
في زمنٍ أصبحت فيه السلطة في كثير من بقاع العالم محاطةً بالحواجز العالية، والمواكب الصاخبة، والبروتوكولات الثقيلة، يطل أحياناً مشهد مختلف يعيد إلى الأذهان معنى القيادة في صورتها الإنسانية الأولى. ذلك هو المشهد الذي خطف الأنظار لسعادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني؛ الرجل الذي خرج من قرية قنتتو المتواضعة جنوب ولاية نهر النيل، ليجد نفسه اليوم في موقعٍ تتجه إليه أنظار السودانيين والعالم.
غير أن ما يلفت الانتباه في سيرة هذا الرجل ليس المقام الذي بلغه، بل الروح التي حملها معه من تلك القرى الوادعة التي تربّت على بساطة العيش وصدق المعاملة. ففي ملامحه شيء من هدوء الريف، وفي حضوره شيء من وقار أبناء الأرض الذين تعلموا من النيل معنى الصبر ومن الحياة معنى الكرامة.
وفي شهر رمضان تتجلى هذه الروح في صورٍ نادرة في عالم السياسة. فقد اعتاد البرهان أن يفاجئ المواطنين بظهوره بينهم على موائد الإفطار في الأحياء والطرقات، دون ترتيبٍ مسبق أو إعلانٍ سابق. يصل كما يصل أي جارٍ كريم، يجلس على الأرض بين الناس، يبادلهم التحية والحديث، ويشاركهم تمر الإفطار وكوب الماء وطبق العصيدة أو الفول.
وفي تلك اللحظات تختفي المسافات التي كثيراً ما تفصل الحاكم عن شعبه. فلا مواكب طويلة ولا حواجز رسمية، بل قائدٌ يجلس بين أهله كواحدٍ منهم، وكأنما أراد أن يذكّر الجميع بأن السلطة مهما علت لا ينبغي أن تقطع صاحبها عن الناس.
ومن أبلغ المشاهد التي يلتقطها الحاضرون في تلك الإفطارات أنه لا ينسى طاقم حراسته الواقفين في أطراف المكان يؤدون واجبهم في صمت. فكثيراً ما يُرى وهو يمد إليهم التمر قبل أن يبدأ إفطاره، في لفتةٍ إنسانيةٍ بسيطة، لكنها تحمل معنى عميقاً: أن القائد الحقيقي يتذكر دائماً من يقفون خلفه، وأن الوفاء يبدأ من التفاصيل الصغيرة.
ولعل هذه الصور البسيطة تختصر درساً بليغاً في فن القيادة. فالتاريخ يخبرنا أن العروش لا تثبت بالهيبة وحدها، بل بالمحبة أيضاً. وأن القائد الذي يظل قريباً من الناس، يسمع أصواتهم ويشاركهم لحظاتهم اليومية، إنما يرسخ لنفسه مكانةً أعمق من أي منصب.
إن قصة البرهان، ابن قرية قنتتو الهادئة، تذكرنا بحقيقةٍ قديمة: أن العظمة لا تُقاس بارتفاع القصور، بل بقدرة أصحابها على النزول إلى الناس. وأن القائد الذي لا ينسى جذوره يظل دائماً أكثر رسوخاً في وجدان شعبه.
ولعل في هذا المشهد رسالةً هادئة إلى القادة والملوك والرؤساء في كل مكان:
أن الطريق الأقصر إلى قلوب الشعوب لا يمر عبر المواكب والحراسات، بل عبر التواضع.ه
فحين يجلس القائد بين الناس…
لا يعلو فقط مقامه في السلطة،
بل يعلو أيضاً في التاريخ.