رؤى واصله عباس ” *عامٌ على انكسار الروح.. كيف أطأ داراً أنتِ لستِ عمادها؟،، (حميدة) : أمومةٌ بدأت في البرزخ وجوارٌ عند حفيدة المصطفى.'”*

رؤى
واصله عباس
” *عامٌ على انكسار الروح.. كيف أطأ داراً أنتِ لستِ عمادها؟،، (حميدة) : أمومةٌ بدأت في البرزخ وجوارٌ عند حفيدة المصطفى.'”*
إلى التي غادرتني.. وما غادرَ صوتُها مسامعَ الروح،
إلى ” *حمود* ” الغالية، سادنة الدار، *وأم مصطفى* التي لم تلدْه بل احتضنته في جوفِ الأرض لتُعلن للكون أن الأمومة قلبٌ لا رحم..
عامٌ كاملٌ انقضى يا *حميدة* ..
عامٌ وأنا أقتاتُ على الصبر المر، وأحاول جاهدةً أن أتناسى الحزن، لكن هيهات للنسيان أن يطرق باباً سكنتِ أنتِ خلفه. عامٌ وأنا أتحسسُ أثر “الندوب” التي خلّفها رحيلكِ في جدار روحي، تلك التي كلما التأمت قليلاً، فتحتها الذكرى من جديد. يا حميدة، يا وحشةَ الدار التي كانت بكِ تأنس، واليوم لا يسكنها إلا الأنين والغياب.
يا وجع العجز الذي يكسر الظهر..
أرثيكِ اليوم، والحرقةُ تأكل صدري ليس لأنكِ رحلتِ فحسب، بل لأنني عشتُ معكِ لحظات “الانكسار” وأنا أنظر إلى جسدكِ الناحل وهو يذبل أمام عيني. أقُسم بالله لقد بذلتُ يا أختي كل ما أملك، استنفرتُ طاقتي، وبحثتُ لك عن العافية في كل باب، وحاولتُ أن أشتري لكِ لحظة راحةٍ واحدة من وجع “الغسيل” المرير الذي نهش قوتكِ. كنتُ أتمنى لو أنَّ الروح تُفدى، ولو أنَّ الصحة تُعار، لكنني وقفتُ أمام مشيئة الله عاجزة، مكسورة الجناح، أرى الألم يطويكِ وأنا لا أملك لكِ إلا الدمع والدعاء.
يا ” *أم مصطفى* ” كرامةً وقدراً..
أبكي اليوم ذكراكِ، وأستحضر مشهدكِ المهيب الذي أبهر العيون؛ يا مَن كنتِ غريبة الديار، فإذا بالله يُسخر لكِ خلقاً كثيراً، زحاماً في الجنازة وكأنكِ سلطانة القلوب. وأي كرامةٍ نلتِها يا حميدة؟ حين ظللت “الغمامة” نعشكِ، تحميكِ من هجير الدنيا وهي تودعكِ إلى برد الجنان. وحين شُق كفنك الطاهر في القبر لتضُمي إليكِ ذاك الصغير الغريب “مصطفى”، لتمارسي أمومتك حتى وأنتِ بين يدي الله، لتصبحي “أم مصطفى” في البرزخ كما كنتِ أماً لنا جميعاً في الدنيا.
يا ريحانةً جاورتِ الطاهرات..
نمتِ قريرة العين في جوار “السيدة عائشة” حفيدة المصطفى ﷺ، فما أكرم الجار وما أعظم المستقر. لكنني هنا، ما زلتُ أتحسسُ عنقي، فأجدُ طوق كلماتكِ الأخير يحيق بي: ” *بحذرك تفوتي تخليني* “. لقد رفعتِ إصبعكِ محذرةً بضعفِ المريضِ وقوةِ المحب، وكأنكِ كنتِ تدرين أنني سأعود ولن أجدكِ، وأن العودة من دونكِ ستكون انكساراً لا يُجبر.
يا حميدة.. يا سادنة البيت الخاوي: أعدُّ العدة للعودة الآن، والقلب يرتجفُ خوفاً من عتبات الدار. كيف سأدخل غرفةً فلا تشرق عليّ فيها ابتسامتكِ الوضيئة؟ ، كيف سأعتادُ صمتَ الزوايا التي كانت تضجُّ ببركتكِ وتسبيحكِ؟، وكنت أذهب إلى قبركِ خلسةً لأراكِ، كأنني أزوركِ في غرفتكِ بالمنزل، لُأحدثكِ عن الفراغ الذي تركته، وعن “اليتم” الذي أشعر به في غيابكِ.
اذهبي يا رابعة العدوية دارنا، فقد تركتِ فينا أثراً لا يمحى، وجرحاً أحسبُ أنه لن يندمل أبداً. غسلتُكِ بيديّ هاتين، وضربتُ كفّكِ برفقٍ وكأنني أحاول بعث الروح فيكِ من جديد، لكنَّ الله كان يريدكِ في جواره.
سلامٌ على روحكِ القانتة.. وعزاؤنا أنكِ عند ربٍ كريمٍ لا يضيعُ لديه أجرُ المحسنين، وأنكِ هناك، حيث لا وجع، لا جلسات غسيل، ولا فراق.
رحمك الله يا قطعةً من قلبي.. غيابكِ يكسرني.. يكسرني.. يكسرني.
