الأخبار
أخر الأخبار

مفتاح المدى… حكاوي من زمن الحرب ماك مندلي كريمة … بقلم / د. محمد حمد محمد أحمد

مفتاح المدى… حكاوي من زمن الحرب
ماك مندلي كريمة …
بقلم / د. محمد حمد محمد أحمد

خلال الأيام الماضية طالعت أكثر من خبر عن الولاية الشمالية، أبرزها كلمة السيد والي الولاية متحدثاً عن تهميش الولاية على مرّ الحكومات التي تعاقبت، وعن فجوة الخدمات وحرمان الولاية وأبنائها من مواردها؛ من سد مروي وكهربائه، إلى الجمارك والصحة والتعليم وغيرها.
واليوم طالعت خبراً أرسله صديقي وابن العم بكري خليفة، يتحدث فيه عن قيادات كريمة، المدينة الحنينة التي استقبلت الجميع منذ الأزل بصدر رحب وقلوب مفتوحة وأيادٍ ممدودة، حتى أضحت (ماك مندلي كريمة) نغمة طمبور حنينة تدوزن قلوب الكل.
نرجع إلى خبر أخي بكري حين ذكر أن كل القيادات التنفيذية والأمنية والعسكرية – نعم كلها – حضرت افتتاح كافتيريا. ليس لدينا غضاضة في الافتتاح، ولكنها دلالة على متلازمة، إن جاز أن نسميها، فلا عنوان لها إلا “متلازمة الظهور في اللاموضوع”. فهل يعقل أن تُستنفَر كل هذه القيادات من أجل سندوتش شاورما؟
مع تزامن المشكلات الحيوية التي تواجه المنطقة، دعاني ذلك للكتابة، وتذكرت وعدي لعزيزي الصحفي الطموح بأن يكون مقالي القادم عن الولاية الشمالية، وتحديداً عن محبوبتي التي أحب: كريمة.
فمن هي كريمة؟
كريمة مدينة سودانية تقع شمال السودان، ضمن الولاية الشمالية، وهي من قرى محلية مروي. وهنا أستحضر كلمات العلامة عبدالله الطيب حين قال: “لا مدينة ولا قرية تبدو بداوتها”. كذلك كريمة، لا تدري أهي مدينة أم قرية أم محلية. وربما في هذا الالتباس تكمن إحدى علل إهمالها.
لكن الحقيقة أن كل مسؤول يدير دفتها – إن لم ينتبه – قد يقع أسير تلك المتلازمة، فينحصر تفكيره في “سندوتش الشاورما”، ويغفل حجم هذه المدينة: مدينة النقل النهري، ومصنع التعليب، ومصنع البلح، ومحطة السكة حديد، والطريق إلى السد، وحضارة الكرو، وآثار بعانخي، وجبل البركل، والطريف، والعقدة، والعباسية، ونصر الدين… مدينة الجمال والنخيل، والسوق التحت والسوق الفوق.
مدينة ضمت رجالاً صنعوا التنمية بجهدهم: عثمان جبريل، عبدالله جبريل، عثمان محجوب، محجوب جعفر وعلي زروق … أسماء امتدت اقتصاداً من الأسواق إلى القرى، فصنعت تنمية مجتمعية فريدة. أُنشئت المستشفيات والمدارس بجهد شعبي متواصل؛ رجال كان همهم الكل، لا “السندوتش”.
وتسطع أسماء أخرى في العمل العام مثل العم ميرغني عبدالله وعبدالله الجاز و عمي حسن محمد أحمد، حين سمي “مغلقة أعمال كجبي” تخليداً لمنطقتنا عند جبال كجبي. كلهم أهلنا وامتدادنا، وماذُكرت “العقدة” إلا وذُكر معها الحارث منصور، وحسبو الجابو، وخليفة صديق وغيرهم … والجامع التحت والجامع الفوق، حيث كانت الأرواح تلتقي قبل الأجساد، وتُبنى المعاني قبل المباني، وكان الانتماء فعلاً يومياً لا شعاراً يُرفع.
كريمة يا سادتي ليست مجرد رقعة جغرافية تُدار من خلف المكاتب، ولا محطة عابرة في دفاتر المسؤولين، بل هي ذاكرة أمة صغيرة تختزن تاريخاً من الكدح والعطاء، والصبر على قلة الإمكانات وسوء التقدير. إن أردت أن تقرأ السودان جيداً، فابدأ بها.
لكن، ومع هذا التاريخ الثري، يظل السؤال قائماً: لماذا لا يوازي الحاضر هذا الإرث؟ ولماذا تتكرر المشاهد التي تشعر المواطن بأن الأولويات مقلوبة؟
ليس عيباً أن يفتتح مسؤول مشروعاً صغيراً، فكل جهد يُشكر، ولكن العيب أن يصبح الحضور الشكلي بديلاً عن العمل الحقيقي، وأن تتحول المناسبات إلى غاية بدلاً من وسيلة.
النقد هنا ليس للتجريح، بل للتصحيح. فالمسؤولية تتطلب نظرة أوسع من لحظة التصفيق وعدسة الكاميرا. كريمة تحتاج إلى تخطيط حقيقي يستثمر موقعها الاستراتيجي، تاريخها العريق، مواردها الزراعية، وإمكاناتها السياحية.
أين مشاريع النقل النهري التي كانت شريان حياة؟
أين تطوير المصانع التي كانت توفر فرص العمل؟
أين الاستثمار في الآثار من الكرو إلى جبل البركل؟
هذه ليست أحلاماً، بل حقوق طبيعية لمدينة أعطت كثيراً ولم تأخذ إلا القليل.
المطلوب ليس معجزات، بل إرادة صادقة تعيد ترتيب الأولويات: أن يُقدَّم التعليم والصحة، أن تُدعم البنية التحتية، وأن يُستمع لصوت المواطن.
كريمة لا تطلب المستحيل، بل تطلب أن تُرى كما هي.
لكن، وبين هذا الصبر النبيل، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: إلى متى تظل كريمة تُحسن الانتظار بينما يسيء البعض إدارة الفرص؟ فالمشكلة ليست في قلة الموارد، بل في غياب الرؤية.
المسؤول ليس من يظهر في الصور، بل من يترك الأثر. ليس من يقص الشريط، بل من يفتح الطريق. ومن هنا، فإن كريمة لا تحتاج إلى زيارات بروتوكولية، بل إلى قرارات شجاعة:
قرار يعيد للنقل النهري مكانته،
وآخر يحرّك المصانع،
وثالث يفتح الاستثمار الحقيقي في السياحة.
كما أن إشراك أبناء المنطقة لم يعد ترفاً، بل ضرورة. فكم من فكرة وُلدت في المجالس البسيطة كانت أعمق من تقارير المكاتب.
التنمية ليست احتفالاً، بل مسار طويل. تبدأ حين يدرك المسؤول أن كل دقيقة تُهدر، تُخصم من رصيد مدينة تنتظر.
كريمة اليوم عند مفترق طرق: إما أن تبقى حنيناً يُروى، أو مشروع نهضة يُبنى. والمسؤول الذي يريد إنصافها، عليه أن يسمع أكثر مما يتكلم، ويرى بعين الناس لا بعين التقارير.
كما أن المواطن شريك، أثبت عبر الزمن أنه قادر على صنع الكثير بالقليل، لكنه يستحق أن يجد من يدعمه.
الحقيقة البسيطة أن المدن لا تموت، لكنها تُهمَل. وكريمة لم تمت، لكنها أُهمِلت طويلاً.
فيا من بيدهم القرار:
كريمة لا تحتاج إلى خطب، بل إلى عمل.
لا تحتاج إلى حضور في المناسبات، بل حضور في قضايا الناس.
ولا إلى وعود جديدة، بل إلى الوفاء بالقديم.
وفي الختام…
ستظل كريمة كما عرفناها:
حنينة كطمبورها، صابرة كنخيلها،
تعطي بلا منّ، وتنتظر منا أن نكون على قدر هذا العطاء.
وفي زمن الحرب، حيث تتكشف معادن المدن كما الرجال، تثبت كريمة أنها أكبر من الظروف…
تبقى مفتاحاً للمدى… وحكاية لا تنتهي.
ونواصل ……
Mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى