مقالات الرأي
أخر الأخبار

تحالف كيانات كردفان الكبرى ينتقل من التلاقي المجتمعي إلى توحيد المواقف.. والتعبئة الوطنية تتقدم بالتوازي مع معركة استعادة الأرض احمد اسماعيل حسن

كردفان توحّد صفها الاجتماعي والسياسي.. لقاء النوبة ودار حمر والجوامعة يرسم ملامح مرحلة ما بعد التحرير

تحالف كيانات كردفان الكبرى ينتقل من التلاقي المجتمعي إلى توحيد المواقف.. والتعبئة الوطنية تتقدم بالتوازي مع معركة استعادة الأرض

تقرير: احمد اسماعيل حسن

في توقيت بالغ الحساسية من مسار الحرب في السودان، وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها جبهات القتال، يكتسب اللقاء التشاوري الذي جمع اتحاد عام النوبة باتحاد مناطق دار حمر وتنسيقية الجوامعة، امرخرا عن أهمية تتجاوز كونه اجتماعاً بين مكونات اجتماعية؛ إذ يعكس اتجاهاً متنامياً داخل كردفان نحو إعادة ترتيب الصفوف وتوحيد المواقف، وربط الجهد المجتمعي بالمشروع الوطني الرامي إلى استعادة الأمن والاستقرار ووحدة البلاد.

اللقاء، الذي شاركت فيه قيادات مجتمعية من مكونات كردفان الكبرى، جاء في إطار ما يمكن وصفه بمحاولة الانتقال من التضامن المتفرق إلى العمل الجماعي المنظم، عبر تفعيل آليات التحالف وتوسيع دائرة التشاور بين مكونات الإقليم، بما يواكب التطورات الميدانية والسياسية التي فرضتها حرب الكرامة.

من ميثاق العزة والكرامة إلى تحالف كردفان الكبرى

وتبرز أهمية اللقاء في كونه امتداداً لمسار بدأ بتوقيع ميثاق العزة والكرامة في أبريل من العام الماضي، قبل أن يتطور إلى تحالف أوسع يضم عدداً من كيانات كردفان الكبرى.

وهذا التطور يعكس، من زاوية سياسية ومجتمعية، إدراكاً متزايداً بأن التحديات التي تواجه كردفان لا يمكن التعامل معها من خلال كيانات منفردة، وإنما تحتاج إلى مظلة تنسيقية واسعة تجمع المكونات المختلفة حول القضايا الوطنية الكبرى، وتحافظ في الوقت ذاته على خصوصية كل مكون ودوره الاجتماعي.

ومن هنا، فإن حديث رئيس اتحاد عام النوبة، الأستاذ محمد أبوعنجة أبوراس، عن ضرورة توحيد الرؤى وتعزيز التعاون بين مكونات كردفان، يحمل دلالة مهمة؛ فالمعركة، وفق هذا التصور، لا تقتصر على استعادة المدن والمناطق، وإنما تمتد إلى إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع وتحصين النسيج الاجتماعي من آثار الحرب والاستقطاب.

التعبئة الوطنية.. البعد المجتمعي لحرب الكرامة

أحد أبرز مخرجات اللقاء تمثل في التأكيد على استمرار التعبئة والاستنفار الوطني حتى استكمال تحرير الأراضي السودانية.

وتأتي هذه الدعوة في سياق حرب لم تعد آثارها عسكرية فقط، وإنما أوجدت واقعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً جديداً، الأمر الذي يجعل من موقف المكونات المجتمعية عاملاً مؤثراً في دعم الاستقرار ومساندة مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية بين الحرب والسلام.

وفي هذا السياق، فإن موقف اتحاد عام النوبة ودار حمر والجوامعة يمكن قراءته باعتباره محاولة لبناء ظهير مجتمعي واسع للدولة ومؤسساتها، خصوصاً في إقليم كردفان الذي يمثل موقعاً بالغ الأهمية في الجغرافيا السياسية والعسكرية والاقتصادية للسودان.

فكردفان ليست مجرد مسرح للعمليات العسكرية؛ بل هي منطقة ذات ثقل سكاني وجغرافي واقتصادي، وتشكل حلقة وصل بين وسط السودان وغربه، الأمر الذي يجعل استقرارها عاملاً مهماً في استقرار البلاد بأكملها.

وحدة كردفان.. مكسب يتجاوز الجغرافيا

ويكتسب تحالف كيانات كردفان الكبرى أهمية خاصة من زاوية أخرى، تتمثل في قدرته المحتملة على تحويل التنوع الاجتماعي والثقافي في الإقليم من مصدر للاستقطاب إلى قوة دفع نحو التوافق الوطني.

فاللقاء جمع مكونات ذات حضور اجتماعي واسع، وفتح الباب أمام تطوير آليات أكثر انتظاماً للتشاور والتنسيق، وهو ما يمكن أن يسهم في منع محاولات استغلال الانقسامات المجتمعية التي عادة ما تزدهر في بيئة الحروب.

كما أن الدعوة إلى توسيع دائرة المشاركة وتفعيل آليات التحالف تؤسس، في حال ترجمت إلى عمل مؤسسي مستمر، لمنصة يمكنها أن تتعامل مع قضايا ما بعد الحرب، من إعادة الإعمار وعودة النازحين، إلى المصالحات المحلية واستعادة الخدمات والتنمية.

من البندقية إلى ميثاق التآخي

ولعل أبرز ما يميز اللقاء أنه لم يقف عند حدود التعبئة للحرب، وإنما فتح الباب أمام مرحلة ما بعد الحرب من خلال مناقشة مبادرة ميثاق التآخي الاجتماعي السوداني.

وهنا تتضح الرؤية الأوسع للتحالف؛ فالمطلوب ليس فقط الانتصار العسكري، وإنما حماية الانتصار من تداعيات الانقسام الاجتماعي، عبر بناء خطاب يقوم على التعايش السلمي ونبذ الكراهية والتسامح والتكافل.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن الحرب، مهما كانت نتائجها العسكرية، تترك وراءها جراحاً اجتماعية عميقة، ولا يمكن إغلاق هذه الجراح بالحلول الأمنية وحدها. ومن ثم فإن ميثاقاً اجتماعياً واسعاً يضم المكونات المختلفة يمكن أن يشكل إحدى أدوات الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة التعافي الوطني.

لجنة مشتركة.. من المبادرة إلى الفعل

قرار تكوين لجنة مشتركة برئاسة وإشراف رئيس تنسيقية الجوامعة للتواصل مع مختلف مكونات كردفان الكبرى يمثل خطوة عملية لتطوير مخرجات اللقاء.

وتكمن أهمية اللجنة في أنها تنقل فكرة التحالف من مستوى البيانات والمواقف إلى مستوى التواصل المنظم، بما يتيح بلورة رؤية مشتركة حول القضايا الوطنية والاجتماعية، وإشراك أكبر عدد ممكن من المكونات في صياغة المبادرة المقترحة.

وإذا نجحت اللجنة في توسيع دائرة المشاركة، فإنها قد تتحول إلى قناة مهمة للحوار المجتمعي داخل كردفان، وإلى منصة تساعد على معالجة القضايا التي قد تظهر في مرحلة ما بعد العمليات العسكرية.

أثر اللقاء على حرب الكرامة

ومن منظور حرب الكرامة، فإن أهمية اللقاء تكمن في ثلاثة مستويات مترابطة.

أولاً: المستوى الوطني، من خلال توحيد مواقف مكونات اجتماعية وازنة خلف هدف استعادة الأمن ووحدة السودان، وهو ما يعزز الجبهة الداخلية ويحد من تأثير الانقسامات.

ثانياً: المستوى المجتمعي، عبر بناء شبكة من التوافق بين مكونات كردفان، بما يقلل فرص استغلال النعرات القبلية والمناطقية التي يمكن أن تستخدم لإطالة أمد الحرب.

ثالثاً: مستوى ما بعد التحرير، من خلال الاستعداد المبكر لمرحلة الاستقرار والمصالحات والتنمية وإعادة بناء المؤسسات والخدمات.

وبذلك يصبح الدعم المجتمعي لحرب الكرامة أوسع من مفهوم التعبئة والاستنفار؛ إذ يتحول إلى مشروع متكامل عنوانه تحرير الأرض، وحماية المجتمع، وإعادة بناء الدولة.

كردفان أمام اختبار التاريخ

الرسالة الأبرز التي خرج بها اللقاء أن كردفان تقف أمام مرحلة مفصلية، وأن وحدة مكوناتها أصبحت ضرورة لا ترفاً سياسياً أو اجتماعياً.

فالمعركة العسكرية مهما بلغت أهميتها تحتاج إلى بيئة اجتماعية مستقرة، كما أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم فوق مجتمع ممزق أو متنازع. ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين مسارين متوازيين: دعم الدولة في معركة استعادة الأمن، والعمل في الوقت ذاته على تأسيس أرضية اجتماعية للسلام والتعايش والتنمية.

ويبدو أن تحالف كيانات كردفان الكبرى يسعى إلى الإمساك بالخيطين معاً؛ خيط استكمال التحرير، وخيط بناء السلام الاجتماعي.

وبينما تواصل القوات المسلحة والقوات المساندة لها معركتها على الأرض، فإن مثل هذه اللقاءات تفتح جبهة أخرى لا تقل أهمية: جبهة بناء الوعي الوطني، وتوحيد المجتمع، وقطع الطريق أمام محاولات تفكيك السودان من بوابة مكوناته الاجتماعية.

وفي المحصلة، فإن لقاء اتحاد عام النوبة واتحاد مناطق دار حمر وتنسيقية الجوامعة لا يبدو مجرد محطة تشاورية عابرة، وإنما حلقة في مسار أوسع لإعادة ترتيب البيت الكردفاني، وتأسيس موقف اجتماعي أكثر تماسكاً تجاه قضايا الحرب والدولة والسلام.

فإذا كانت معركة الكرامة تُحسم في الميدان بالسلاح، فإن حماية نتائجها وترجمة الانتصار إلى استقرار دائم تُحسم أيضاً في المجتمع؛ بالحوار، والتآخي، ووحدة الصف، وإرادة بناء وطن يتسع لجميع أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى