الحاصل شنو؟ السودان لا يحتاج ( ناسنا)… السودان يحتاج ( أهلنا)

بقلم: رشا أحمد البشير
في السودان، أصبح المواطن يستيقظ كل صباح وكأنه داخل على امتحان جديد، لا يعرف أسئلته ولا يعرف كيف ستكون نتيجته.
سعر الرغيف اتغير، الدواء اتغير، المواصلات اتغيرت، إيجار البيت اتغير، وحتى الحاجة التي كانت زمان تُشترى بـ«حبة قروش» أصبحت اليوم تحتاج إلى جلسة تفاوض ومراجعة للميزانية!
والأغرب من ذلك أن المواطن السوداني، رغم كل ما مر به، ما زال يحاول أن يضحك.
يقول ليك:
( نحن ذاتنا بقينا بنمشي السوق عشان نتفرج… الشراء بقى رفاهية! )
نضحك، نعم… لكن الحقيقة أن وراء هذه الضحكة وجعًا كبيرًا.
السودان يعيش أزمة اقتصادية قاسية، والحرب تتحمل بالتأكيد مسؤولية ضخمة فيما وصلنا إليه. فقد عطلت قطاعات الإنتاج والتجارة والزراعة والصناعة، ودمرت البنية التحتية، وأفقدت ملايين السودانيين مصادر دخلهم، بينما أدى اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج إلى زيادة أسعار السلع الأساسية وتراجع القوة الشرائية للمواطن.
لكن…
هل الحرب وحدها هي المشكلة؟
هنا يأتي السؤال الذي ربما لا يعجب كثيرين.
الحرب تفسر جزءًا كبيرًا من الخراب، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ( شماعة) نعلق عليها كل شيء.
فالحرب، مهما كانت قاسية، لا تمنعنا من التفكير.
ولا تمنعنا من اتخاذ قرارات وطنية.
ولا تمنعنا من اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب.
ولا تمنعنا من أن نسأل ببساطة:
من هو الشخص الذي يستطيع أن يدير هذا الملف؟
وليس:
( فلان تابع لمنو؟)
ولا:
( فلان جاي من وين؟ )
نحن لا نحتاج إلى تدوير الكراسي… نحتاج إلى تدوير العقول
السودان اليوم لا يحتمل أن تُدار مؤسساته بمنطق:
( صاحبي وصاحبك )
ولا بمنطق:
( المقعد ده حق جماعتنا.)
فالمنصب العام ليس غنيمة، ولا مكافأة، ولا امتيازًا شخصيًا.
المنصب مسؤولية.
والبلد الذي يمر بكل هذا الخراب لا يحتمل أن يتعلم المسؤول الجديد المهنة بعد أن يجلس على الكرسي.
نريد وزيرًا يعرف وزارته.
ومديرًا يفهم مؤسسته.
واقتصاديًا يفهم الاقتصاد.
ومهندسًا يعرف كيف يعالج مشكلات البنية التحتية.
وطبيبًا يعرف كيف يطور النظام الصحي.
وخبيرًا زراعيًا يعرف كيف يعيد للقطاع الزراعي قدرته على الإنتاج.
( ببسااااطة: كل زول يمسك الحاجة البعرفها)
هذه ليست رفاهية.
هذه هي أبسط قواعد إدارة الدولة.
الخبرة ما شهادة معلقة في الحيطة
نحن أحيانًا نخلط بين الشهادة والخبرة.
الحاصل على دكتوراه ليس بالضرورة أفضل مدير.
والشخص الذي قضى سنوات في العمل السياسي ليس بالضرورة اقتصاديًا.
والشخص الذي يتحدث جيدًا أمام الكاميرات ليس بالضرورة قادرًا على إدارة مؤسسة.
والشخص الذي لديه علاقات واسعة ليس بالضرورة هو الشخص المناسب للمنصب.
الشهادة مهمة، والسياسة مهمة، والعلاقات مهمة، لكن إدارة الدولة تحتاج إلى ما هو أكبر من ذلك كله:
كفاءة حقيقية، وخبرة، ونزاهة، وقدرة على اتخاذ القرار.
يمكن اختصار المعادلة ببساطة:
التخصص + الخبرة + النزاهة + القدرة على اتخاذ القرار = أهلية المنصب.
أما الانتماءات السياسية والاجتماعية، فيجب ألا تتحول إلى المعيار الأول للاختيار، خصوصًا عندما تكون مصلحة الدولة والمواطن على المحك.
فالبلد لا يحتاج إلى شخص ( يعرف ناسًا )
البلد يحتاج إلى شخص ( يعرف ماذا يفعل )
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
المواطن لا يأكل المحاصصة
ربما هذه هي الجملة التي يجب أن تُكتب على أبواب كل مؤسسة حكومية:
المواطن لا يأكل المحاصصة.
المواطن يريد خبزًا.
يريد دواءً ، كهرباء، ماء ، يريد طرقًا آمنة … الخ
يريد دولة يشعر فيها أن القانون فوق الجميع.
المواطن لا يعنيه كثيرًا من أخذ هذه الوزارة أو تلك، ولا من ينتمي إلى هذه المجموعة أو تلك.
ما يعنيه هو:
هل تعمل الدولة أم لا؟
الحرب وقفت في مناطق كثيييرة… لكن آثارها لم تقف
قد تتوقف المعارك في منطقة، ويعود الناس إلى بيوتهم، وتفتح بعض الأسواق أبوابها، وتبدأ الحياة في التحرك من جديد.
لكن آثار الحرب لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار.
هناك اقتصاد يحتاج إلى إعادة تشغيل.
ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء.
وخدمات تحتاج إلى استعادة.
وبنية تحتية تحتاج إلى إصلاح.
وملايين الأشخاص يحتاجون إلى استعادة مصادر دخلهم وأمنهم واستقرارهم.
وهنا تحديدًا تبدأ المعركة الأصعب:
معركة إعادة بناء الدولة.
وهذه المعركة لن تُحسم بالشعارات.
تحتاج إلى عقول تعرف ماذا تفعل.
فإذا كان لدينا اقتصاد منهك، فلا بد أن تكون إدارة الاقتصاد بيد أهل الاقتصاد.
وإذا كانت الزراعة واحدة من أهم أبواب إنقاذ السودان، فلا بد أن تكون الزراعة في يد أهلها.
وإذا كانت الصناعة متوقفة، فنحن بحاجة إلى خبراء الصناعة والإنتاج.
وإذا كانت الكهرباء والمياه والبنية التحتية مدمرة، فالمطلوب مهندسون وفنيون وأصحاب خبرة، لا مجرد أسماء ترضي هذه المجموعة أو تلك.
البلد ما ناقصة ناس… البلد ناقصة قرارات صحيحة.
التضخم ليس مجرد رقم في تقرير اقتصادي
عندما يقول الاقتصادي إن التضخم ارتفع، قد تبدو الجملة باردة ومجردة.
لكن المواطن يعرف التضخم بطريقة مختلفة.
التضخم عنده هو أن يذهب إلى السوق اليوم، فيجد السلعة بسعر، ثم يعود بعد أسبوع فيجدها بسعر آخر.
التضخم هو أن الراتب الذي كان يكفي الأسرة شهرًا، أصبح بالكاد يكفي أيامًا.
التضخم هو أن تبدأ الأسرة في حذف الضروريات واحدة وراء الأخرى.
وفي النهاية يصبح السؤال: ( نحن حنعيش كيف؟ )
ولهذا فإن معالجة التضخم ليست مسألة أرقام فقط.
إنها مسألة حياة.
ومسألة كرامة.
ومسألة استقرار اجتماعي.
ومسألة مستقبل بلد كامل.
ولهذا فإن إدارة الاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب لا تحتمل التجريب ولا المجاملة، بل تحتاج إلى أصحاب الاختصاص والخبرة والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة.
( الزول المناسب في المكان المناسب) ليست جملة قديمة
ربما سمعنا هذه العبارة آلاف المرات.
لكن السودان اليوم بحاجة إلى أن يتعامل معها باعتبارها قاعدة أساسية للإنقاذ وإعادة البناء.
نحن لا نطالب بأن يكون المسؤول بلا أخطاء.
ولا نطالبه بأن يكون خارقًا.
ولا نبحث عن شخص كامل.
نحن فقط نريد شخصًا يفهم المهمة التي أوكلت إليه، ويملك القدرة على تنفيذها وتحمل مسؤوليتها.
فالمرحلة القادمة لا تحتاج إلى أشخاص يبحثون عن المناصب، بقدر ما تحتاج إلى أشخاص قادرين على حمل أعباء المناصب.
نحتاج إلى عقلية جديدة
ربما يكون أكبر تغيير يحتاجه السودان بعد الحرب ليس فقط إعادة بناء المباني.
بل إعادة بناء عقلية إدارة الدولة.
عقلية تقول:
لا للمحاصصة عندما تضر بالكفاءة.
لا لتعيين الأشخاص فقط لأنهم قريبون من أصحاب القرار.
لا لتقديم الولاء على التخصص.
لا لتحويل المناصب العامة إلى مكافآت.
السودان لا يحتاج ( ناسنا)… السودان يحتاج ( أهلنا )
وهنا ربما نصل إلى جوهر الحكاية.
السودان بلدنا كلنا.
ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال:
( منو حنجيب؟) بل: ( منو أصلح)
لا نريد أن نبحث عن ( ناسنا)
نريد أن نبحث عن أهل السودان الحقيقيين في تخصصاتهم.
فالخبير الاقتصادي أهل اقتصاد.
والمهندس أهل هندسة.
والإداري المحترف أهل إدارة.
وهكذا…
هذه هي الوطنية الحقيقية:
أن تضع الشخص الذي يستطيع أن يخدم البلد، لا الشخص الذي يستطيع أن يخدم المجموعة.
فالمصلحة العامة لا تُبنى بالعلاقات الشخصية، وإنما بالكفاءة والعدل وحسن الاختيار.
وفي النهاية…
السودان لا يحتاج الآن إلى المزيد من الكلام.
نحتاج إلى قرارات صحيحة.
ونحتاج قبل كل ذلك إلى أن نقتنع بأن المنصب العام ليس ملكًا لأحد.
هو أمانة.
والسودان الذي دفع كل هذا الثمن لا يجوز أن يدفع ثمنًا جديدًا بسبب سوء الاختيار.
الحرب أخذت منا الكثير.
فلا نسمح لسوء الإدارة أن يأخذ الباقي.
الحرب يمكن أن تنتهي، والأسواق يمكن أن تفتح، والمدن يمكن أن تُعمر، والاقتصاد يمكن أن يتعافى…
لكن ذلك يحتاج إلى إرادة حقيقية، وإدارة واعية، واختيار يقوم على الكفاءة لا المحاصصة.
لذلك، كفاية محاصصة.
كفاية مجاملات.
كفاية ( ده زولنا )
والآن…
خلونا نجيب الزول البعرف شغلو.
لأن السودان، في هذه المرحلة، ما ناقصو ناس… السودان ناقصو ناس في المكان الصح.
وده الحاصل …………
