مقالات الرأي
أخر الأخبار

إبراهيم بختان.. حين يرحل المهندس ويبقى الوطن في الصورة بقلم: احمد اسماعيل حسن

إبراهيم بختان.. حين يرحل المهندس ويبقى الوطن في الصورة

بقلم: احمد اسماعيل حسن

 

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾

صدق الله العظيم

لم يكن خبر رحيل المهندس إبراهيم بختان خبراً عابراً في دفاتر الوفيات، ولم يكن فقده شأنًا يخص أسرةً أو مؤسسةً أو زملاء مهنة فحسب؛ فقد كان الرجل، بما تركه من سيرة وعطاء ومواقف، واحداً من أولئك الذين تتجاوز قيمتهم حدود الوظيفة إلى فضاء الوطن، وتتحول مسيرتهم بعد الرحيل إلى شهادة على معنى الوفاء للمهنة، والإخلاص للعمل، والانتماء الحقيقي.

رحل إبراهيم بختان بمدينة بورتسودان، بصورة مفاجئة، وهو يؤدي مهمة مهنية، وفي الوقت الذي كان فيه يعمل مع زملائه على استكمال ترتيبات عودة أجهزة التلفزيون القومي إلى مقره في أم درمان.

وهنا تبدو المفارقة الأكثر إيلاماً في قصة الرحيل:

عاد التلفزيون إلى أم درمان، لكن بختان لم يعد.

عاد الصوت والصورة إلى المكان الذي أحبّه، بينما غاب الرجل الذي أمضى سنوات من عمره يعمل خلف الكاميرات، وفي غرف التحكم، والاستديوهات، وورش الصيانة، وعربات النقل، حيث لا يراه المشاهد على الشاشة، لكنه يرى أثره في كل صورة تصل إليه.

رجلٌ كان يعمل عندما تتعقد الأمور

تكاد الشهادات التي كُتبت في رثاء إبراهيم بختان تجمع على صفة واحدة: أنه كان رجل المهام الصعبة.

كان اسمه حاضراً عندما تتعطل الأجهزة، وعندما تضيق المواعيد، وعندما تصبح المسؤولية أكبر من عدد العاملين المتاحين.

لم يكن المهندس الذي يكتفي بتشخيص المشكلة، وإنما كان يبحث عن الحل.

ولعل الحكاية التي رواها المخرج محمد سليمان عن النقل التلفزيوني لمباراة مصر والجزائر الفاصلة في أم درمان عام 2009، تختصر جانباً من شخصية الرجل المهنية؛ فقد تعطل جهاز الإعادة في عربة التلفزة، ولم تفلح المحاولات في توصيل جهاز بديل، بينما لم يتبق على انطلاق المباراة سوى ساعات قليلة.

حينها كان بختان هو الاسم الذي اتجهت إليه الأنظار.

وصل إلى موقع المشكلة، وبدأ العمل بهدوء، وفحص التوصيلات، وتعامل مع العطل تحت ضغط الوقت، حتى نجح في إيصال الصورة إلى ديسك الإخراج واستكمال عملية النقل.

لم تكن المسألة مجرد إصلاح جهاز.

كانت تلك الحادثة، كما يصفها زملاؤه، نموذجاً للرجل الذي كان حضوره وحده يمنح الآخرين شعوراً بأن المشكلة قابلة للحل.

ثلاثة عقود خلف الشاشة

أفنى إبراهيم بختان أكثر من ثلاثة عقود في العمل التلفزيوني والهندسي، وتدرج في مسيرته حتى أصبح مديراً للإدارة العامة للهندسة بالتلفزيون القومي.

وخلال هذه الرحلة لم يكن مجرد موظف يؤدي ساعات عمله وينصرف؛ بل كان جزءاً من البنية الهندسية والتقنية التي قامت عليها منظومة التلفزيون السوداني.

أسهم في تصميم واستجلاب وتركيب وتشغيل وصيانة الأجهزة والمنظومات التلفزيونية، وشارك في إنشاء وتجهيز عدد من المؤسسات والقنوات والمراكز الإعلامية، كما امتد عطاؤه إلى مؤسسات الدولة، من بينها رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء.

وكان، وفق شهادات زملائه، مدرسة مهنية متحركة؛ لا يحتكر المعرفة لنفسه، بل ينقلها إلى الأجيال الجديدة من المهندسين والعاملين في المجال الإعلامي.

وهذه واحدة من أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله:

أن يترك أشخاصاً يحملون شيئاً من علمه، وتجربته، وأخلاقه.

في الحرب.. تحولت المهنة إلى مهمة وطنية

لكن السنوات الأخيرة من حياة بختان كانت مختلفة.

اندلعت الحرب، وتعرض التلفزيون القومي للدمار، وانقطعت مؤسسته الأم عن جمهورها من مقرها التاريخي، وأصبح استمرار البث تحدياً هندسياً ووطنياً في آن واحد.

في تلك اللحظة لم تعد مهمة المهندس مجرد تشغيل جهاز أو إصلاح استديو.

كان المطلوب إعادة صوت الدولة وصورتها إلى السودانيين والعالم.

وهنا كان بختان في قلب المشهد.

عمل مع زملائه على استعادة البث من بورتسودان، ثم شارك في إعادة تأهيل وتشغيل استديوهات التلفزيون في أم درمان بعد عودة المؤسسة إلى مقرها.

وكانت المهمة شاقة؛ فالاستديوهات تعرضت للدمار، وأجهزة ومعدات وعربات نقل تلفزيوني خرجت من الخدمة، بينما كانت المؤسسة مطالبة بالعودة سريعاً إلى المشاهد.

لكن الرجل الذي عرفه زملاؤه بالهدوء والصبر لم يتراجع.

عمل.

وأصلح.

وأعاد التشغيل.

ونقل الخبرة.

وواصل الطريق.

حين يصبح الالتزام بالوطن موقفاً

ومن بين الشهادات التي وردت في ما كتب عنه، رواية تتحدث عن محاولات استمالته خلال الحرب وعرض مبالغ مالية كبيرة عليه مقابل التعاون في تمكين المليشيا من البث.

والدلالة الأهم هنا ليست في قيمة المبلغ الذي قيل إنه عُرض عليه، وإنما في الموقف.

فالرجل الذي أفنى عمره في التلفزيون لم ينظر إلى المعرفة الهندسية باعتبارها سلعة تُباع لمن يدفع أكثر، وإنما باعتبارها أمانة مرتبطة بمؤسسته ووطنه.

وهكذا يصبح موقف الإنسان في اللحظات الصعبة أكثر أهمية من كل ما يقوله عن نفسه في أوقات الرخاء.

لقد اختار بختان أن يبقى وفياً لمهنته ولمؤسسته.

عاد التلفزيون.. وغاب المهندس

كانت المهمة الأخيرة أكثر ارتباطاً بمسيرته من أي مهمة أخرى.

ذهب بختان إلى بورتسودان لاستكمال ترتيبات إعادة أجهزة التلفزيون القومي إلى الخرطوم، بعدما قطعت المؤسسة شوطاً مهماً في استعادة مقرها وبثها من أم درمان.

كان يفترض أن يعود مع الأجهزة.

كان يفترض أن يواصل العمل.

كان يفترض أن يرى ثمرة الجهد الذي بذله.

لكن الموت كان له موعد آخر.

أصيب بوعكة صحية مفاجئة، وانتقل إلى رحمة الله.

وهكذا كتب القدر خاتمة شديدة الرمزية لمسيرة رجل قضى عمره في إعادة الصورة إلى الشاشة:

أعاد صورة الوطن إلى الشاشة، ثم غاب هو عن الصورة.

شهادة الدولة.. وشهادة الناس

ربما كان من أكثر ما يكشف مكانة إبراهيم بختان أن نعيه لم يصدر من جهة واحدة.

نعاه مجلس السيادة، ونعاه مجلس الوزراء، ونعته وزارة الثقافة والإعلام والجهات والمؤسسات الإعلامية، كما توالت النعوات من زملائه وأصدقائه والمؤسسات والولايات.

وهذه ليست مجرد مراسم بروتوكولية.

إنها، في جوهرها، شهادة عامة على أن الرجل ترك أثراً تجاوز مكتبه وإدارته.

والأهم من كل ذلك أن الذين عرفوه عن قرب لم يتحدثوا فقط عن شهاداته وخبرته ومناصبه، وإنما تحدثوا عن الإنسان.

عن ابتسامته.

عن تواضعه.

عن هدوئه.

عن مساعدته للآخرين.

عن استعداده لتقديم خبرته دون انتظار مقابل.

عن علاقته بزملائه.

عن كونه أخاً وصديقاً قبل أن يكون مديراً ومهندساً.

وهذه ربما كانت أعظم شهادة يمكن أن يحصل عليها إنسان بعد الرحيل.

بختان في عيون زملائه

كتب مستور عن زميله الراحل، مستعيداً السنوات التي كان فيها بختان يعمل بلا كلل، وكيف حمل خلال سنوات الحرب أعباءً تفوق طاقة مجموعة كاملة من العاملين.

وكتب موسى داؤد عن صديقٍ لم يكن مجرد زميل، بل أخاً ومعلماً وسنداً مهنياً، مؤكداً أنه كان يعطي من علمه كما يعطي من قلبه.

وكتب إدريس هشابة عن رجل ظل وفياً للتلفزيون، واعتبر أن عودة البث إلى أم درمان كانت إحدى المحطات الكبرى في مسيرته.

أما الصادق الهادي، فاستعاد صورة المهندس الذي ظل، رغم صعوبة الظروف، مبتسماً ومخلصاً لمهمته، وتحدث عن دوره في استعادة بث التلفزيون من بورتسودان.

وكتب حامد عثمان عن «ابن السودان البار»، مستعيداً تواضعه وكرمه المهني وإسهامه في تدريب أجيال من المهندسين.

وكتب وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر بكلمات مثقلة بالحزن عن رجل اعتبره واحداً من أهم أسلحة القطاع الهندسي في واحدة من أصعب مراحل العمل الإعلامي في السودان.

وفي كل هذه الشهادات، اختلفت العبارات، لكن الصورة ظلت واحدة:

رجل مهني كبير.. وإنسان أكبر.

لماذا أبكى بختان زملاءه؟

ربما لأن الناس لا تبكي المناصب.

ولا تبكي المكاتب.

ولا تبكي المسميات الوظيفية.

الناس تبكي الإنسان الذي ترك في حياتها شيئاً جميلاً.

ولهذا لم يكن مشهد تأثر إحدى زميلاته على الهواء وهي تنعى رحيله تفصيلاً عابراً؛ فقد بدا المشهد وكأنه يلخص علاقة الرجل بالمكان الذي أمضى فيه عمره.

فالتلفزيون بالنسبة إلى بختان لم يكن مبنى وأجهزة فقط.

كان بيتاً مهنياً.

وكان زملاؤه أسرته الثانية.

وكانت هندسة البث جزءاً من حياته.

درس الرحيل

لكن رحيل إبراهيم بختان لا يترك الحزن فقط، بل يطرح سؤالاً أكبر:

ماذا يترك الإنسان عندما يرحل؟

يترك البعض منصباً سرعان ما يشغله آخر.

ويترك البعض مكتباً يغلق بعده بساعات.

ويترك آخرون مالاً وأشياء تتغير قيمتها بمرور الزمن.

لكن بختان ترك شيئاً آخر:

ترك أثراً.

ترك علماً في تلاميذه.

ترك أجهزة واستديوهات عادت للعمل.

ترك تجربة مهنية في مؤسسة وطنية.

ترك مواقف يتداولها زملاؤه.

وترك محبة في قلوب من عرفوه.

وهذا هو الإرث الحقيقي.

تكريم لا ينبغي أن يتوقف عند النعي

إن رحيل رجل بهذه السيرة يستدعي من الدولة ووزارة الثقافة والإعلام والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أن تجعل من ذكراه مناسبة لتكريم أهل المهنة الذين يعملون خلف الشاشة ولا يعرف الجمهور أسماءهم.

ولعل من الوفاء لبختان أن يُخلّد اسمه في المؤسسة التي أحبها وأفنى عمره فيها؛ بإطلاق اسمه على أحد الاستديوهات أو المرافق الهندسية بالتلفزيون القومي، أو إنشاء جائزة سنوية للتميز في الهندسة التلفزيونية تحمل اسمه.

فمثل هذا التكريم لا يخص بختان وحده.

إنه تكريم لقيمة العمل والإخلاص والعلم والانتماء.

النهاية التي تشبه البداية

رحل إبراهيم بختان في مهمة تتصل بالتلفزيون.

وكأن الرجل الذي بدأ حياته المهنية في خدمة الصورة والصوت أراد القدر أن يكتب له آخر سطر بالطريقة ذاتها.

خرج لإكمال مهمة.

ولم يعد.

لكن المهمة اكتملت، والتلفزيون عاد، والصورة أشرقت من جديد.

أما بختان، فقد غاب جسده، وبقي اسمه في ذاكرة المؤسسة التي أحبها، وفي ذاكرة زملائه الذين عرفوه، وفي ذاكرة كل من رأى الشاشة تعود للحياة دون أن يعرف أن خلف ذلك الضوء رجالاً دفعوا من أعمارهم الكثير.

كان بختان واحداً من هؤلاء.

جنياً مجهولاً خلف الشاشة، وفارساً في هندسة البث، ورجلاً حمل أمانة المهنة حتى اللحظة الأخيرة.

رحم الله المهندس إبراهيم جمعة بختان.

رحم الله الرجل الذي لم يبحث عن الأضواء، لكنه كان أحد الذين يصنعونها.

رحم الله من عاش متواضعاً، وعمل مخلصاً، وأعطى علمه للآخرين، ومضى تاركاً سيرةً يتحدث عنها الناس بعد غيابه.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في وداعه:

عاد تلفزيون السودان إلى أم درمان، وبقي بختان في ذاكرة التلفزيون.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى