
قراءة تحليلية لزيارة االبرهان لاقليم النيل الاززرق
بقلم أحمد إسماعيل حسن
_ الدمازين في قلب المشهد.. زيارة البرهان تحمل رسائل الأمن والطمأنينة و«موسم الحصاد»
_ رئيس مجلس السيادة يقف على الأوضاع ميدانياً.. تقارير الأمن والزراعة ترسم ملامح مرحلة ما بعد الصمود
الدمازين – احمد اسماعيل حسن
لم تكن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إلى مدينة الدمازين، حاضرة إقليم النيل الأزرق، مجرد زيارة رسمية عابرة، وإنما حملت في توقيتها ومكانها وطبيعة الملفات التي تناولتها جملة من الرسائل والدلالات المهمة، في مقدمتها التأكيد على حضور القيادة في الميدان، والاطمئنان على الأوضاع الأمنية، والوقوف على الموسم الزراعي باعتباره أحد أهم مرتكزات الأمن الاقتصادي والغذائي في المرحلة الراهنة.
وتأتي الزيارة في ظرف استثنائي تمر به البلاد، الأمر الذي منحها بعداً معنوياً وسياسياً وأمنياً واضحاً، خاصة أن اختيار الدمازين محطة للزيارة يعكس أهمية إقليم النيل الأزرق في المعادلة الوطنية، ليس فقط من الناحية الأمنية، وإنما أيضاً بما يمتلكه من إمكانات زراعية وموارد طبيعية وقدرات يمكن أن تسهم بصورة فاعلة في دعم الاقتصاد الوطني.
رسالة أولى.. القيادة في الميدان
أبرز دلالات الزيارة يتمثل في تأكيد أن القيادة العليا للدولة والقوات المسلحة حاضرة في الميدان، وقريبة من قضايا المواطنين، وتتابع الأوضاع من مواقعها الحقيقية.
فالزيارات الميدانية في أوقات الأزمات والحروب تحمل قيمة تتجاوز البروتوكول الرسمي، لأنها تمنح المسؤولين فرصة مباشرة للاستماع إلى التقارير، وتقييم الأوضاع على الأرض، والوقوف على التحديات بعيداً عن المسافات التي قد تفصل بين متخذ القرار والواقع التنفيذي.
كما أن وجود رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة وسط المواطنين والقيادات التنفيذية والأمنية في الدمازين يمثل رسالة طمأنة بأن الدولة تتابع أوضاع الأقاليم، وأن قضايا الأمن والاستقرار والتنمية ليست ملفات مؤجلة.
الأمن.. قراءة الواقع من الميدان
التقارير التي تلقاها رئيس مجلس السيادة حول الأوضاع الأمنية بالإقليم تمثل أحد أهم محاور الزيارة، إذ إن الأمن في ظل الظروف التي يمر بها السودان أصبح المدخل الأساسي لحماية المواطنين واستمرار الخدمات وتحريك عجلة الاقتصاد والتنمية.
وأهمية هذه التقارير لا تتوقف عند تقديم صورة عن الواقع الأمني، بل تكمن في أنها تتيح للقيادة العليا الوقوف على مستوى التنسيق بين الأجهزة المختلفة، ورصد التحديات المحتملة، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.
وتحمل هذه المتابعة رسالة واضحة مفادها أن الأمن مسؤولية مستمرة، وأن الاستقرار لا يعني التوقف عن اليقظة والاستعداد.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة البرهان بعداً معنوياً مهماً للقوات المسلحة والقوات النظامية والمواطنين، باعتبار أن اهتمام القائد العام بمتابعة الأوضاع ميدانياً يعزز الثقة ويرفع الروح المعنوية، ويؤكد تقدير القيادة للأدوار التي تقوم بها القوات في حماية البلاد والمحافظة على أمنها واستقرارها.
الموسم الزراعي.. حين يصبح الإنتاج قضية وطنية
وإذا كان الملف الأمني قد فرض نفسه بقوة على الزيارة، فإن الاهتمام بالموسم الزراعي حمل رسالة لا تقل أهمية؛ إذ أعاد التأكيد على أن معركة السودان ليست عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة إنتاج واقتصاد وغذاء.
ويمثل إقليم النيل الأزرق واحداً من الأقاليم ذات الإمكانات الزراعية الكبيرة، ولذلك فإن نجاح الموسم الزراعي لا ينعكس على مواطني الإقليم وحدهم، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي.
إن تلقي القيادة لتقارير مباشرة حول الموسم الزراعي يعني أن الزراعة أصبحت في صدارة الاهتمام الوطني، خاصة في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى زيادة الإنتاج واستغلال مواردها وقدراتها الداخلية.
فالحقول في مثل هذه الظروف لا تقل أهمية عن مواقع الدفاع؛ لأن الأمن الوطني لا يكتمل من دون أمن غذائي، ولا يمكن للاقتصاد أن يتعافى ما لم تستعد الزراعة دورها باعتبارها أحد محركات الإنتاج والتنمية.
رسالة ثقة للمزارعين
كما تحمل الزيارة رسالة معنوية مباشرة للمزارعين والمنتجين في النيل الأزرق؛ مفادها أن ما يبذلونه من جهد في الأرض محل اهتمام الدولة وقيادتها.
وهذه الرسالة مهمة في ظل التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، إذ يحتاج المزارع إلى الشعور بأن الدولة تقف إلى جانبه، وتتابع قضايا الموسم، وتسعى لمعالجة المعوقات التي قد تؤثر على الإنتاج.
فالاهتمام السياسي بالزراعة يمكن أن يتحول إلى دافع نفسي ومعنوي، لكنه في الوقت نفسه يضع مسؤولية كبيرة على الجهات التنفيذية لتحويل الاهتمام إلى خطوات عملية تسهم في إنجاح الموسم وتعظيم الإنتاج.
الدمازين.. أكثر من محطة للزيارة
اختيار الدمازين يحمل بدوره دلالة رمزية ووطنية؛ فالمدينة تمثل حاضرة إقليم مهم في الخارطة السودانية، وإقليم يمتلك خصوصيته وتنوعه وقدراته الاقتصادية.
ومن هنا، يمكن قراءة الزيارة باعتبارها تأكيداً على أهمية الأقاليم في مشروع استعادة الاستقرار الوطني، وأن بناء السودان لا يمكن أن يتم من المركز وحده، وإنما عبر الاهتمام المتوازن بكل مناطقه، وربط الأمن بالتنمية، والتنمية بالاستقرار.
كما تعزز الزيارة الإحساس بالشراكة الوطنية بين المركز والأقاليم، وتؤكد أن مستقبل السودان يرتبط بقدرة الدولة على استثمار تنوع موارده البشرية والطبيعية في مختلف الولايات.
أثر معنوي يتجاوز حدود الزيارة
لعل من أهم نتائج مثل هذه الزيارات أثرها المعنوي؛ فالوجود وسط المواطنين، والاستماع إلى تقارير المسؤولين، والاطمئنان على القوات، ومتابعة قضايا الإنتاج، كلها رسائل ترفع الروح المعنوية وتخلق شعوراً بأن الولاية جزء أصيل من أولويات الدولة.
وفي زمن التحديات، يحتاج المواطن إلى أكثر من الوعود؛ يحتاج إلى أن يرى القيادة قريبة من همومه وقضاياه، وأن يشعر بأن صوته يصل إلى أعلى مستويات اتخاذ القرار.
ومن هذه الزاوية، فإن زيارة رئيس مجلس السيادة للدمازين يمكن أن تسهم في تعزيز الثقة، وبث روح الطمأنينة، وتحفيز المسؤولين التنفيذيين على مضاعفة الجهود، فضلاً عن منح المواطنين والمزارعين والقوات النظامية دفعة معنوية مهمة.
الخلاصة.. الأمن والإنتاج طريق الاستقرار
في المحصلة، حملت زيارة رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة إلى الدمازين رسالة مركبة عنوانها: الأمن أولاً، والإنتاج دائماً، والميدان هو المكان الحقيقي لمتابعة قضايا الوطن.
فما بين التقارير الأمنية التي تعكس أهمية اليقظة وحماية الاستقرار، وتقارير الموسم الزراعي التي تفتح باب الأمل في الإنتاج والأمن الغذائي، تتشكل صورة واضحة لأولويات المرحلة.
إن زيارة الدمازين لم تكن مجرد محطة في برنامج رسمي، بل يمكن قراءتها باعتبارها رسالة بأن حماية الوطن لا تكتمل إلا بحماية أمنه واستقرار مجتمعاته ودعم إنتاجه، وأن السودان وهو يخوض معركة الحفاظ على الدولة، يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يزرع للمستقبل.
فالأمن يحمي الأرض.. والزراعة تعمرها، وبينهما تتشكل معركة السودان الكبرى من أجل الاستقرار والتعافي وبناء المستقبل.