مقالات الرأي
أخر الأخبار

مدارس أبا ذر الكودة.. تجربة تعليمية تتجاوز جغرافيا المكان بقلم أحمد إسماعيل حسن

مدارس أبا ذر الكودة.. تجربة تعليمية تتجاوز جغرافيا المكان

من السودان إلى الخارج.. مسيرة تعليمية تصنع التفوق وتفرض سؤالاً حول واقع التعليم العام

 

بقلم:احمد اسماعيل حسن

 

لم تعد النتيجة اللافتة التي حققتها مدارس أبا ذر الكودة في امتحانات الشهادة الثانوية مجرد رقم يُضاف إلى سجل نتائج المدارس، ولا حدثاً عابراً يمر مع إعلان النتائج، وإنما تحولت إلى مناسبة أعادت تجربة هذه المدارس إلى واجهة النقاش حول التعليم في السودان، وما يمكن أن تصنعه الإدارة التعليمية المستقرة، والبيئة المدرسية، والمتابعة الأسرية، والاهتمام بالطالب، من فروق في مسيرة التحصيل الأكاديمي.

فالنتائج الأخيرة، التي أظهرت تفوقاً لافتاً لطلاب مدارس أبا ذر الكودة، وجعلت اسمها حاضراً بقوة في المشهد التعليمي، فتحت الباب أمام حالة من التفاعل المجتمعي؛ بين من أشاد بتجربة المدارس وما حققته من نجاحات متكررة، ومن رأى في هذه النتائج مناسبة لطرح أسئلة أوسع حول الفوارق بين التعليم الخاص والعام، ومستوى أداء المؤسسات الرسمية المعنية بالتعليم.

وبعيداً عن الجدل، تظل الحقيقة الأساسية أن وراء كل نتيجة ناجحة منظومة من العمل تبدأ بالمدرسة والمعلم، ولا تنتهي عند الطالب والأسرة.

تجربة بدأت من السودان وتوسعت جغرافياً

ما يميز تجربة مدارس أبا ذر الكودة أنها لم ترتبط بموقع جغرافي واحد، وإنما امتدت عبر أكثر من منطقة، وصولاً إلى وجود تعليمي خارج السودان، وهو ما منح التجربة طبيعة مختلفة من حيث التعامل مع بيئات تعليمية واجتماعية متعددة.

فالمدرسة، في مفهومها الحديث، لم تعد مجرد مبنى يستقبل الطلاب صباحاً ويغادرونه بعد انتهاء الحصص، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تتداخل فيها الإدارة والمناهج والمعلم والطالب والأسرة والتقويم المستمر.

ومن هنا يمكن قراءة الانتشار الجغرافي لمدارس أبا ذر الكودة باعتباره أحد مفاتيح فهم تجربتها؛ إذ إن وجود المدارس في مناطق مختلفة داخل السودان، إلى جانب امتدادها خارج البلاد، يضع الإدارة أمام تحدي الحفاظ على مستوى موحد من الأداء والجودة، رغم اختلاف البيئة المحيطة بكل مدرسة.

وهنا تكمن أهمية التجربة: هل تستطيع مؤسسة تعليمية أن تحافظ على فلسفتها ومستوى أدائها كلما اتسعت جغرافياً؟

النتائج المتحققة عبر السنوات تقدم، على الأقل، مؤشراً يستحق الدراسة والتوثيق.

الطالب في قلب التجربة

النجاح التعليمي لا تصنعه المناهج وحدها.

فحتى أفضل المناهج تحتاج إلى معلم قادر على تقديمها، وإدارة تستطيع تنظيم العملية التعليمية، وبيئة مدرسية تشجع الطالب على التعلم، وأسرة تتابع وتساند، وطالب يدرك قيمة ما يتلقاه.

ولهذا فإن الحديث عن تجربة مدارس أبا ذر الكودة لا ينبغي أن يتوقف عند نسب النجاح أو أسماء المتفوقين، وإنما يتطلب النظر إلى منظومة التعليم بأكملها.

فكل طالب يظهر اسمه في قائمة المتفوقين يقف خلفه معلم، وأسرة، وإدارة، وساعات من المذاكرة، ومتابعة واختبارات وتصحيح وتقييم مستمر.

ومن هنا تصبح النتيجة النهائية انعكاساً لجهد جماعي، وإن كان الطالب هو صاحب الإنجاز الأول.

مدارس في الداخل.. وتجربة تتجاوز الحدود

ومن اللافت في مسيرة مدارس أبا ذر الكودة امتداد تجربتها خارج السودان، بما يعنيه ذلك من انتقال الخبرة التعليمية السودانية إلى بيئات أخرى.

وهذه النقطة تحديداً تستحق دراسة إعلامية وتعليمية أوسع؛ فوجود مؤسسة تعليمية سودانية خارج البلاد يطرح سؤالاً حول قدرة التجربة السودانية الخاصة على المنافسة في بيئات تعليمية مختلفة، وعلى المحافظة على هويتها التعليمية مع التعامل مع نظم وظروف جديدة.

كما أن التوزيع الجغرافي للمدارس داخل السودان وخارجه يجعل من الممكن النظر إليها باعتبارها شبكة تعليمية، لا مجرد مدارس منفصلة.

ومتى ما توفرت بيانات دقيقة حول مواقع المدارس وتاريخ تأسيس كل فرع ونتائج طلابه، فإن رسم خريطة كاملة لهذا الانتشار سيكون مهماً لفهم حجم التجربة وتطورها.

نجاح المدارس.. ومقارنة تفتح باب الأسئلة

الضجة التي صاحبت النتائج الأخيرة لم تأت من فراغ.

فالنجاح المتكرر لأي مؤسسة تعليمية يجعلها محل اهتمام الأسر والطلاب والمجتمع، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب المقارنة.

لماذا تنجح بعض المدارس في تحقيق نتائج مرتفعة بصورة مستمرة؟

وهل يرتبط ذلك بالموارد والإمكانات؟ أم بطريقة الإدارة؟ أم باستقرار المعلمين؟ أم بنظام المتابعة؟ أم بانتقاء الطلاب؟ أم بمزيج من كل هذه العوامل؟

هذه أسئلة مهنية لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام أو مديح مطلق.

وفي المقابل، فإن مقارنة نتائج المدارس الخاصة بنتائج المدارس الحكومية يجب أن تتم وفق معايير عادلة، تأخذ في الاعتبار اختلاف الموارد، والبيئة التعليمية، وكثافة الفصول، واستقرار الكادر، والظروف التي يعمل فيها كل قطاع.

لكن النتائج اللافتة تظل فرصة مهمة لفتح النقاش حول كيف يمكن نقل التجارب الناجحة إلى التعليم العام؟

السؤال الأكبر: أين يقف التعليم السوداني؟

ربما تكون أهم قيمة أحدثتها نتائج مدارس أبا ذر الكودة أنها أعادت التعليم إلى دائرة الاهتمام.

فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا نجحت هذه المدرسة؟

بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكبر:

كيف يمكن أن تصبح جودة التعليم والتفوق حقاً متاحاً لكل طالب سوداني، أياً كان موقعه أو ظروفه الاقتصادية والاجتماعية؟

السودان يمتلك تاريخاً عريقاً في التعليم، ومدارس ومعلمين تركوا بصمات راسخة في أجيال متعاقبة، لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أضافت تحديات ضخمة إلى منظومة التعليم، من النزوح وتعطل المدارس إلى صعوبة الوصول إلى المعلمين والطلاب والكتب والامتحانات.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح النماذج التعليمية التي تستطيع المحافظة على الاستمرارية والتحصيل الأكاديمي جديرة بالدراسة، ليس فقط للاحتفاء بها، وإنما لاستخلاص الدروس التي يمكن أن يستفيد منها النظام التعليمي بأكمله.

نجاح أي طالب سوداني هو نجاح للتعليم السوداني نفسه.

وتجربة مدارس أبا ذر الكودة، بما حققته من نتائج وما تمتلكه من انتشار جغرافي داخل السودان وخارجه، تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الانفعال الآني بنتيجة امتحان واحد.

إنها تجربة يمكن أن تكون مادة لدراسة أوسع حول الإدارة التعليمية، وتطوير المعلمين، وطرق التدريس، والانضباط الأكاديمي، وعلاقة المدرسة بالأسرة، وكيفية المحافظة على جودة التعليم في ظروف الأزمات.

فالاحتفاء بالمتفوقين جميل، لكن الأجمل أن يتحول التفوق إلى معرفة وتجربة قابلة للتعميم.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انطفاء أضواء إعلان النتائج هو:

إذا كانت هناك مدارس استطاعت أن تصنع هذا القدر من التفوق في ظروف السودان الصعبة، فما الذي يمكن أن يتعلمه منها التعليم السوداني كله؟.

 

 

.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى