من الصمود إلى الإنتاج.. مؤتمر تعافي القطاع الخاص يرسم خارطة طريق لإعادة بناء الاقتصاد السوداني

من الصمود إلى الإنتاج.. مؤتمر تعافي القطاع الخاص يرسم خارطة طريق لإعادة بناء الاقتصاد السوداني
الخرطوم – تقرير: احمد اسماعيل حسن
لم يكن ختام أعمال حوار تعافي القطاع الخاص السوداني، الذي استضافته الخرطوم على مدى ثلاثة أيام، مجرد نهاية لمؤتمر اقتصادي جمع المسؤولين ورجال الأعمال وشركاء التنمية، وإنما بدا بمثابة محطة مهمة في النقاش الوطني حول سؤال أكثر إلحاحاً: كيف ينتقل الاقتصاد السوداني من مرحلة الصمود أمام آثار الحرب إلى مرحلة الإنتاج والتعافي وإعادة البناء؟
المؤتمر، الذي نظمته وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، جمع ممثلين للحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية وشركاء التنمية والمنظمات الدولية والإقليمية، في حوار استهدف وضع مسارات عملية لتعافي القطاع الخاص وتعزيز قدرته على استعادة دوره في الاقتصاد الوطني.
القطاع الخاص.. قلب معركة التعافي
في خطابه أمام المؤتمر، أكد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي د. جبريل إبراهيم أن القطاع الخاص يمثل شريكاً أساسياً في استعادة النشاط الإنتاجي وتنشيط الصادرات وخلق فرص العمل، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج والتصدير، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من طبيعة المرحلة التي يمر بها السودان؛ فالقطاع الخاص لم يعد معنياً فقط بممارسة النشاط التجاري التقليدي، بل أصبح أحد المكونات الأساسية لأي مشروع وطني يستهدف استعادة الإنتاج، وتحريك الأسواق، وتوفير فرص العمل، وإعادة تشغيل المنشآت المتضررة، والمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
ومن هذا المنظور، فإن تعافي القطاع الخاص لا يمثل ملفاً اقتصادياً منفصلاً، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بالتعافي الاجتماعي واستقرار المجتمعات وعودة النشاط إلى المدن والولايات المتضررة.
حضور حكومي ودولي.. الاقتصاد في دائرة الاهتمام
أهمية الحوار لم تتوقف عند المشاركة الحكومية والقطاع الخاص، فقد شهد حضوراً لشركاء التنمية والمنظمات والمؤسسات الدولية، إلى جانب مسؤولين ووزراء وممثلين للمؤسسات المالية، وهو ما منح المؤتمر بعداً يتجاوز الحوار المحلي إلى البحث عن شراكات وآليات تمويل ودعم يمكن أن تسهم في إعادة تشغيل الاقتصاد السوداني.
وكانت الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي من الشركاء الرئيسيين في تنظيم الحوار، بينما شارك في جلساته ممثلون لجهات دولية وإقليمية ومؤسسات مالية وشركاء تنمية.
وهذا الحضور الدولي يحمل دلالة مهمة، تتمثل في أن مرحلة التعافي الاقتصادي تحتاج إلى شراكات واسعة تجمع بين الموارد الوطنية والخبرات الدولية والتمويل والاستثمار، مع الحفاظ على أولوية القرار الاقتصادي الوطني.
عشرة مسارات.. من التوصيات إلى خارطة الطريق
اختتم الحوار بإعلان توصيات تستهدف تحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع قنوات التمويل، وتأهيل البنية التحتية، وتعزيز الإنتاج والصادرات، إلى جانب دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير آليات التنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص وشركاء التنمية.
ومن أبرز ما حملته المخرجات الدعوة إلى إنشاء آليات مشتركة وفعالة تضمن استمرار الحوار بين الحكومة والقطاع الخاص وشركاء التنمية، مع وضع خطط عاجلة وقصيرة ومتوسطة وطويلة المدى للتعامل مع التحديات الاقتصادية.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذه التوصيات في قدرتها على الانتقال من مستوى التشخيص إلى مستوى التنفيذ؛ فالسودان لا يفتقر إلى الدراسات والتصورات الاقتصادية بقدر ما يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة، وجداول زمنية، وتحديد للمسؤوليات، وموارد تمويلية قادرة على تحويل الأفكار إلى مشروعات قائمة على الأرض.
الإنتاج.. البوصلة الجديدة
ركز الحوار كذلك على قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، وتعزيز تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير بيئة الأعمال وتسهيل التجارة والاستثمار.
ويبدو هذا التركيز منطقياً في ظل طبيعة الاقتصاد السوداني وإمكاناته؛ فاستعادة دورة الإنتاج تعني في نهاية المطاف استعادة مصادر الدخل وفرص العمل، وتحسين حركة التجارة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وزيادة قدرة البلاد على التصدير وجذب الاستثمارات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ربط سياسات التعافي الاقتصادي بالولايات ومناطق الإنتاج، بحيث لا تظل عملية إعادة البناء محصورة في المراكز الحضرية، وإنما تمتد إلى مناطق الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعة والخدمات.
منصة جديدة للشراكة
أحد أهم الأبعاد التي أفرزها المؤتمر هو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.
فالمطلوب في المرحلة المقبلة ليس مجرد تقديم تسهيلات للقطاع الخاص، وإنما بناء شراكة مؤسسية تقوم على الحوار المستمر، وتحديد الأولويات، وتذليل العقبات أمام الاستثمار، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية.
وقد أكد وكيل وزارة المالية د. محمد علي جمعة أن تعافي القطاع الخاص يمثل ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي الشامل وإعادة بناء القدرات الإنتاجية، مشيراً إلى أهمية الوصول إلى مخرجات قابلة للتنفيذ تحدد الأولويات والإجراءات والمسؤوليات.
التحدي الحقيقي يبدأ بعد المؤتمر
إذا كان انعقاد المؤتمر يمثل خطوة مهمة، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد اختتام جلساته.
فنجاح خارطة التعافي لن يقاس بعدد التوصيات التي صدرت، وإنما بمدى تحولها إلى سياسات وبرامج ومشروعات، وبقدرة الدولة وشركائها على إزالة العقبات أمام المنتجين والمستثمرين، وتوفير التمويل، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتسهيل حركة التجارة، وتحسين البيئة المصرفية والاستثمارية.
وهنا تحديداً تتضح أهمية إنشاء آليات المتابعة التي أوصى بها المؤتمر، حتى لا تتحول المخرجات إلى وثيقة جديدة تضاف إلى أرشيف المؤتمرات، بل إلى برنامج عمل قابل للقياس والمراجعة.
رسالة اقتصادية تتجاوز الحرب
في المحصلة، حمل مؤتمر تعافي القطاع الخاص رسالة تتجاوز الاقتصاد بمعناه الضيق: السودان يريد أن ينتقل من إدارة آثار الحرب إلى بناء اقتصاد ما بعد الحرب.
فالعودة إلى الإنتاج، وإعادة تشغيل المصانع والمشروعات، وتنشيط التجارة، ودعم الزراعة والصناعة، وتمويل المشروعات الصغيرة، واستعادة الاستثمار، كلها حلقات مترابطة في مشروع واحد عنوانه إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.
ومن الخرطوم، التي بدأت تستعيد دورها كمركز للنشاط الحكومي والاقتصادي، جاء الحوار ليضع القطاع الخاص في قلب معادلة التعافي، وليؤكد أن إعادة إعمار السودان لن تكون مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما مشروعاً وطنياً تشارك فيه الدولة والقطاع الخاص والمجتمع وشركاء التنمية.
ويبقى الرهان الأكبر هو تحويل «حوار تعافي القطاع الخاص» من منصة للحوار إلى منصة للتنفيذ؛ فحين تتحول التوصيات إلى إنتاج، والاستثمارات إلى مشروعات، والمشروعات إلى وظائف، فإن التعافي الاقتصادي يصبح واقعاً يلمسه المواطن في حياته اليومية.