الأخبارمقالات الرأي

من المرجان إلى الكهرمان.. قاموس من الأحجار السودانية

 

 

 

السيدة صديقة إسماعيل المهدي: عندما تتحول الأحجار إلى حُليّ تستعيد ذاكرة السودان

 

رقية الشفيع

 

في السودان، لا تُرتدى الحُليّ للزينة وحدها؛ فكثير من قطعها يحمل حكايةً عن الأسرة والمكان والعادات، ويختزن تفاصيل من الذاكرة الشعبية التي انتقلت بين النساء جيلًا بعد جيل. ومن بين المهتمات بهذا الموروث السيدة صديقة إسماعيل المهدي، التي جعلت من الأحجار مادةً لتصميم حُليّ تجمع بين جمال الطبيعة وخصوصية المشغولات السودانية التقليدية.

 

بدأ شغف السيدة صديقة بالأحجار منذ وقت مبكر، متأثرةً بأشكالها وألوانها وتنوعها. وكانت تجد متعة خاصة في اختيار القطع وتنسيقها، ثم دمجها بالمشغولات السودانية، لتخرج كل قطعة في هيئة مختلفة تحمل طابعًا خاصًا. وبحسب الكاتبة والباحثة الدكتورة طيبة حسن شريف، بدأت صديقة تجربتها تدريجيًا، مستندة إلى ذوقها الشخصي ومعرفتها بأنواع الأحجار، وقد تنقلت بين أساليب متعددة؛ تارةً تجمع حجرًا بآخر، وتارةً تستخدم المفصلات والإكسسوارات، وأحيانًا تمزج الأحجار بالفضة أو بالمشغولات الذهبية السودانية.

 

استمرت هذه التجربة حتى فترة جائحة كورونا، حين أصاب الركود حركة السوق، ثم تراجع نشاطها المنتظم خلال السنوات الأخيرة بسبب الظروف التي مر بها السودان.

 

وتصف السيدة صديقة علاقتها بهذا الفن قائلة:

 

> “أنا زولة بحب الحجر وأشكاله، ولما أجي أتعامل معاه بستمتع بيه جدًا. السودان، والله، فيه حاجات جميلة، وأجملها طبعًا حاجاتنا التراثية.”

 

لمسة خاصة في تصميم الحُليّ

 

لا تكتفي السيدة صديقة باستخدام الحجر في شكله المعتاد، بل تهتم بتفاصيل القطعة من حيث اللون والحجم والتكوين، وتنسقها مع المعادن والخامات الأخرى، لتقديم تصميمات جديدة تلتقي فيها روح التراث مع حسّ الابتكار.

 

وتستخدم في أعمالها عددًا من القطع والمشغولات الذهبية السودانية التقليدية التي يصنعها الصاغة في السودان. وتُزيَّن هذه القطع غالبًا بالقُصَيْص الأسود والأبيض، ولا سيما في العقود الطويلة، لكنها تعيد توظيفها في تصميمات تجمع بين العقيق والمرجان والفضة وغيرها من الخامات.

 

بدأت صديقة عملها مع عدد محدود من الزبائن الذين تعرّفوا إلى تصميماتها وقدّروا اختلافها، ثم أخذت دائرة المتعاملين معها في الاتساع. ودخلت لاحقًا مجال حُليّ الجرتق وتجهيز بعض قطع العروس، كما شاركت في عدد من البازارات، في وقت كان فيه المهتمون بالأحجار وتصميم الحُليّ منها في السودان فئة محدودة نسبيًا.

 

العقيق والمرجان والكهرمان

 

يأتي العقيق في مقدمة الأحجار التي تستخدمها السيدة صديقة، لما يتصف به من تنوع في الألوان والأشكال، فضلًا عن شهرته وانتشاره بين السودانيين. ويمكن تصميم عقد كامل من العقيق بلون واحد، أو الجمع بين درجات مختلفة منه، كما يمكن دمجه بالذهب أو الفضة.

 

وتستخدم كذلك القُصَيْص السوداني، وهو حجر صغير يأتي غالبًا باللونين الأسود والأبيض، إلى جانب القُصَيْص الهندي الأكبر حجمًا. وتوظفه في بعض القطع بوصفه عنصرًا مكملًا، فتمزجه بحجر آخر أو بلون مختلف، ليمنح التصميم قدرًا أكبر من التنوع.

 

ومن الخامات الأساسية في أعمالها أيضًا المرجان والكهرمان واللؤلؤ الأبيض بأحجامه وأشكاله المختلفة. وبسبب صعوبة الحصول على اللؤلؤ الطبيعي وارتفاع سعره، تستخدم في الغالب اللؤلؤ المستزرع.

 

وعُرف الكهرمان منذ زمن بعيد في السودان وعدد من البلدان الأفريقية. وكان الناس يرتدون حباته الكبيرة المستديرة ذات اللون الأصفر، ويمزجونها بالفضة. أما المرجان، فيحظى بمكانة معروفة في غرب أفريقيا، حيث ارتبط بالزينة التقليدية والرسمية.

 

السوميتة وحجر الدم

 

تُعد السوميتة من الأحجار التراثية المميزة، وهي تأتي بأشكال وأحجام متعددة، من بينها السوميتة الطويلة. ويستخدمها السودانيون في الأعراس والجرتق، ويرتبط ارتداؤها بالتفاؤل بالخير.

 

وتنتشر السوميتة بصورة خاصة في غرب السودان، ولا سيما في دارفور، حيث تُصنع منها عقود طويلة للزينة. ففي الوقت الذي تستخدم فيه بعض نساء وسط السودان العملات الذهبية في العقود الطويلة، تصنع نساء غرب السودان عقودًا مشابهة من السوميتة.

 

وكانت السوميتة تُعد من الأحجار مرتفعة القيمة؛ إذ كانت بعض قطعها الطويلة تُباع بمبالغ كبيرة، وكان التجار يشترونها بكميات، حتى قاربت مكانتها لدى بعض المجتمعات مكانة الذهب.

 

ومن الأحجار الأخرى “حجر الدم”، الذي كان يُستخدم في الجرتق ويُلبس للصغار من البنات والأولاد. غير أن القطع القديمة منه أصبحت نادرة، ولم يعد متوافرًا بالأحجام والجودة نفسيهما اللذين عُرف بهما في الماضي.

 

معرفة توارثتها الأسرة

 

لم يأتِ اهتمام السيدة صديقة بالأحجار من فراغ؛ فقد نشأت في أسرة تعرف أنواعها وتهتم بطرق تنسيقها وارتدائها. وكان كبار الأسرة يمتلكون معرفة واسعة بها، كما كانت بنات خالاتها يبدين اهتمامًا بالأحجار ويقتنينها، فأصبحت جزءًا من الثقافة اليومية داخل البيت.

 

وتروي السيدة صديقة أن المعروف داخل الأسرة أن بنات الإمام المهدي لم يكنّ يعتمدن على الذهب والفضة وحدهما، بل كنّ يرتدين الأحجار وينظمن العقود ويصنعن بعض القطع بأنفسهن. كما كانت نساء الأسرة يعرفن الخامات المستخدمة في تجهيز حُليّ العروس وزينة الرأس.

 

وتذكر على نحو خاص عمتها السيدة قمر عبد الله الفاضل المهدي، التي كانت تتفنن في إعداد حاجات العروس وزينة الرأس، وتستخدم السكسك لابتكار تصميمات مختلفة. وكانت في الأسرة سيدات أخريات يصنعن قطعًا جميلة من السكسك والودع وغيرهما من الخامات التراثية.

 

غير أن هذا العمل اليدوي الدقيق لم يعد منتشرًا كما كان في السابق؛ فقد رحلت كثير من النساء اللواتي امتلكن تلك المعرفة، رحمهن الله، وغاب برحيلهن جانب من الخبرة والمهارة. وحتى القطع التي تُصنع اليوم لا تتمتع دائمًا بدقة “شغل زمان” وجماله.

 

البلوم، قطعة من زينة العروس

 

يُعد “البلوم” من قطع حُليّ العروس التقليدية، وهو يُلبس حول الذراع، ويُصنع من خيوط تُنظَّم وتُشكَّل بطريقة فنية، ثم تُضاف إليه الأحجار والزينة، وتتدلى منه أجزاء صغيرة تشبه حبات الفُل.

 

وقد ظهرت في السنوات الأخيرة تصميمات حديثة للبلوم، غير أن شكله التقليدي لا يزال أكثر ارتباطًا بذاكرة الجرتق السوداني وطقوس تجهيز العروس.

 

الأحجار بين الجمال والمعتقدات الشعبية

 

ترى السيدة صديقة أن إضافة الحجر إلى الذهب أو الفضة تمنح القطعة مظهرًا مختلفًا؛ فإن الحجر يضيف اللون والملمس، ويفتح أمام المصمم مجالًا واسعًا لتجريب تكوينات جديدة.

 

ولم تقتصر مكانة الأحجار في الثقافة السودانية على جانبها الجمالي، إذ ارتبط بعضها بالتفاؤل وبعدد من المعتقدات الشعبية. فقد كان الناس يتفاءلون بحجر الدم، كما ربطوا العقيق والمرجان بالصحة والعافية وجلب الخير.

 

وكان بعضهم يحرص على أن يلامس حجر العقيق جسم من يرتديه. وتبقى هذه المعتقدات جزءًا من الموروث الشعبي المرتبط بالأحجار واستخداماتها في المجتمع السوداني، ولا تُطرح بوصفها حقائق علمية.

 

المرجان الأسود واليُسر

 

يُعد المرجان الأسود، المعروف باسم “اليُسر”، من الخامات المرتبطة بالزينة السودانية. وقد استُخدم في صناعة السُّبح الكبيرة والحُليّ، وكانت بعض قطعه تُطعَّم بالفضة والمرجان الأحمر.

 

وكان السودانيون يحتفظون بسبح اليُسر في منازلهم، كما امتلكتها كثير من السيدات والأسر. وارتبطت بها بعض المعتقدات الروحية الشعبية؛ إذ يرى بعض الناس أن التسبيح بها يجلب البركة، وأن الدعاء معها يكون مستجابًا.

 

أما اليوم، فقد أصبح اليُسر نادرًا ومرتفع الثمن. وعندما يتعذر العثور عليه، يلجأ المصممون إلى أحجار أخرى لصناعة قطع مشابهة، وقد يضيفون إليها المرجان، لكنها لا تبلغ قيمة اليُسر الأصلي ومكانته.

 

الفضة والأحجار، مجال واسع للابتكار

 

تمثل الفضة عنصرًا أساسيًا في كثير من تصميمات السيدة صديقة؛ فهي تُظهر ألوان الأحجار وتفاصيلها، وتمنح المصممة حرية أكبر في ابتكار أشكال جديدة.

 

وقد تعاملت مع عدد من الحرفيين السودانيين المعروفين بجودة عملهم وأمانتهم. وترى أن هؤلاء الحرفيين يمتلكون مهارة واضحة؛ فهي تختار الأحجار والألوان، وتضع الفكرة العامة للقطعة وتفاصيلها، ثم يتولى الصائغ تنفيذها وفق التصميم المطلوب.

 

ولا تظهر الأحجار في تجربة السيدة صديقة إسماعيل المهدي بوصفها خامات للزينة فحسب، إنما بوصفها جزءًا من ذاكرة الأسرة والمجتمع. ومن خلال تصميماتها، تعيد تقديم جانب من تراث النساء السودانيات في قطع تجمع بين أصالة الموروث وجمال التفاصيل وروح التجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى