
أخلاق تمشي على الأرض.. حين يتحول التوثيق إلى وفاء
بقلم:احمد اسماعيل حسن
في زمنٍ كثرت فيه الأخبار، وقلّت فيه الحكايات الإنسانية، تصبح الكتابة عن الإنسان نفسه نوعاً من الوفاء.
ومن هنا تبدو مبادرة الزميل محمد خالد صالح عمسيب، أحد العاملين بوكالة السودان للأنباء «سونا»، لافتة ومختلفة؛ ليس لأنها مجرد فكرة لتحريك مجموعة إلكترونية أو كسر رتابة النقاشات اليومية، وإنما لأنها أعادت الإنسان إلى صدارة المشهد، وفتحت نافذة للتذكير بأن المؤسسات لا تُبنى باللوائح والوظائف وحدها، وإنما يصنع مجدها رجال ونساء يتركون أثراً في المكان وفي نفوس من عاشروهم.
عمسيب ، الذي قادته ظروف الحرب في، السودان للنزوح إلى مصر، لم يجعل الغربة محطة انتظار، بل حاول أن يجعل منها مساحة للتعلم وتطوير الذات. انفتح على الإعلام الإلكتروني والإنترنت، وطوّر مهاراته في السرد والتقديم والتوثيق وتصميم الشعارات، ثم جاءت الفكرة التي وجدت طريقها إلى قلوب زملائه: لماذا لا نوثق للزملاء الذين غادروا، ولمن لا يزالون بيننا؟
وهكذا وُلدت فكرة «أخلاق تمشي على الأرض».
الفكرة في ظاهرها بسيطة، لكنها في معناها عميقة؛ أن تتوقف قليلاً عن صخب الأخبار، وأن تكتب عن إنسان تعرفه، وعن قيمة رأيتها فيه، وعن موقف بقي في ذاكرتك، وعن سيرة مهنية وإنسانية ربما تمر عليها الأيام دون أن تجد من يرويها.
والأجمل أن عمسيب لم يقدم نفسه بوصفه قاضياً أو جهة تقييم، بل قال بوضوح إنه موثق للمحبة، يكتب ما رأته عينه، ومن يرى غير ذلك فليكتب ويوثق بدوره.
وهذه هي الروح التي تجعل الفكرة جميلة:
أن يتحول التوثيق من حكم على الناس إلى شهادة وفاء لهم.
ولعل أجمل ما في التجربة أنها حرّكت «قروب اجتماعيات سونا» وأعادت إليه شيئاً من الحيوية. ففي عالم أصبحت فيه مجموعات التواصل الاجتماعي سريعة الاستهلاك، تتزاحم فيها الرسائل ثم تختفي، جاء هذا العمود ليمنح المجموعة مساحة للتأمل والابتسام واستعادة الذاكرة.
إنها طاقة إيجابية لا تُفرض على أحد، ولا تحتاج إلى خطاب كبير؛ يكفي أن تقرأ سيرة زميل، فتتذكر موقفاً جميلاً جمعك به، أو تكتشف جانباً من شخصيته لم تكن تعرفه، أو تشعر بأن سنوات العمل التي قضيتها معه لم تذهب سدى.
ولأن الفكرة تقوم على الإنسان، فإن نموذج الدكتورة كلتوم عبد الباقي يكشف بوضوح ماذا يعني عنوان «أخلاق تمشي على الأرض».
أكثر من ثلاثة عقود في «سونا» منذ تعيينها عام 1992م، تنقلت خلالها بين الإرسال والتحقيقات والولايات ثم التحرير، وظلت صورتها في ذاكرة زملائها مرتبطة بالدقة والأمانة والتعاون والالتزام وحسن المعاملة.
حين يكتب عمسيب عن شخصية مثل كلتوم، فهو لا يكتب عن مسمى وظيفي ولا عن منصب، وإنما يحاول أن يقول للأجيال الجديدة: هكذا كان بعض الذين مروا من هنا، وهكذا يمكن أن يكون أثر الإنسان في المؤسسة التي يعمل فيها.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمبادرة.
فنحن بحاجة إلى أن نتذكر أن النجاح المهني ليس فقط في عدد الأخبار التي كتبناها، أو المواقع التي شغلناها، أو السنوات التي قضيناها في الخدمة؛ وإنما أيضاً في عدد القلوب التي تركنا فيها أثراً طيباً، وفي عدد الزملاء الذين وجدوا فينا سنداً، وفي الطريقة التي تعاملنا بها مع من حولنا.
ولذلك فإن «أخلاق تمشي على الأرض» ليست مجرد عمود؛ إنها محاولة لإعادة الاعتبار إلى القيمة الأخلاقية في الحياة المهنية.
وكم نحن بحاجة إلى مثل هذه المبادرات في زمن تتراجع فيه مساحة الوفاء، ويصبح الإنسان أحياناً مجرد اسم في كشف العاملين، أو رقماً في سجل الخدمة، أو صورة قديمة في أرشيف المؤسسة.
لكن خلف كل اسم حكاية.
خلف كل موظف سنوات من التعب.
وخلف كل زميل مواقف لا يعرفها إلا من عاشره.
وخلف كل امرأة ورجل في «سونا» قصة يمكن أن يتعلم منها الآخرون.
وهنا يستحق محمد عمسيب التحية؛ لأنه لم يكتفِ بأن يتعلم مهارة جديدة، بل حاول أن يجعل ما تعلمه نافعاً للآخرين. ولم يستخدم التوثيق لصناعة نفسه وحده، وإنما فتحه مساحة للاحتفاء بزملائه.
وهذا في حد ذاته سلوك إيجابي يستحق التقدير.
لقد استطاع، من خلال فكرة بسيطة، أن يجعل الجميع يشعرون بأن هناك شيئاً جميلاً يحدث بينهم؛ أن الزميل يمكن أن يكون موضوعاً لحكاية جميلة، وأن سنوات العمل يمكن أن تتحول إلى ذاكرة مشتركة، وأن الكلمة الطيبة يمكن أن تعيد إلى الإنسان شيئاً من تقديره لذاته ولمن حوله.
شكراً محمد خالد عمسيب، لأنك ذكّرتنا بأن التوثيق ليس دائماً توثيقاً للأحداث؛ أحياناً يكون توثيقاً للإنسان.
وشكراً لأنك اخترت أن تبحث عن الضوء في زملائك، لا عن العيوب فيهم.
وشكراً لأنك جعلت من مهاراتك الجديدة جسراً إلى الآخرين، لا مجرد إضافة إلى سيرتك الذاتية.
أما «أخلاق تمشي على الأرض»، فربما يكون أجمل ما فيها أنها تقول لنا جميعاً:
لسنا بحاجة إلى انتظار مناسبة كبيرة كي نقول لإنسان: شكراً.
ولا نحتاج إلى رحيل أحد حتى نتحدث عن جميل أثره.
ولا ينبغي أن تظل قصص الناس الطيبين حبيسة الذاكرة.
اكتبوا عن بعضكم قبل أن يصبح الكلام عنكم رثاءً.
ففي كل مؤسسة أناس يستحقون أن تُروى حكاياتهم، وفي كل جيل نماذج تستحق أن تُرى، وفي كل مكان أناس يمشون بيننا بأخلاقهم قبل خطواتهم.
وهؤلاء هم، ببساطة،
«أخلاق تمشي على الأرض».
وما يكتبه عمسيب ليس حكماً نهائياً على أحد، وإنما نافذة يفتحها على ما رآه بعينيه؛ ومن رأى زاوية أخرى فليكتبها أيضاً.
فربما تكون أعظم نتيجة لهذه المبادرة ألا يكون عمسيب وحده هو الذي يوثق، بل أن يتعلم الجميع أن يقولوا لبعضهم:
رأيت فيك خيراً… ولم أُرد أن يمر دون أن أقوله.