
السودان ومصر.. لا تجعلوا الدم جسراً للفتنة
لمن يهمه الأمر
بقلم :إدريس هشابه
ليست العلاقات بين السودان ومصر وليدة ظرف عابر، حتى تهزّها حادثة مؤلمة، ولا هي أضعف من أن تصمد أمام محاولات العبث بها. إنها علاقة تاريخ وجغرافيا ومصالح ومصائر متشابكة، عزّزتها وشائج الشعبين، وظلت مصر خلالها سنداً للسودانيين، ولا سيما في محنتهم الراهنة.
إن إدانة الاعتداء على مواطنين مصريين داخل الأراضي السودانية موقفٌ لا يحتمل المواربة؛ فحرمة الدم واحدة، وكرامة الإنسان لا تتجزأ، ولا يجوز أن يصبح التنقيب عن الذهب ذريعةً لانتهاك القانون أو تعريض الأرواح للخطر. ومثلما نطالب بحماية السودانيين وصون حقوقهم، فإننا نرفض المساس بأرواح المصريين وحقوقهم، أياً كانت الملابسات.
وفي هذا السياق، فإن قرار تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الحادث خطوةٌ تستحق الإشادة، شريطة أن تفضي إلى كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، ووضع الوقائع أمام الرأي العام بعيداً عن التكهنات والمزايدات.
لكن ما هو أبعد من التحقيق، أن تتحول هذه الحادثة إلى جرس إنذار يدفع البلدين نحو إحكام التنسيق الحدودي، وتبادل المعلومات، وتطوير آليات الرقابة والعمل المشترك؛ حتى لا تتحول أنشطة التعدين غير المنضبطة إلى بوابة للتهريب والاتجار بالبشر والجريمة العابرة للحدود، أو منفذٍ لزعزعة الأمن والاستقرار.
إن أخطر ما في مثل هذه الحوادث ليس الدم الذي يُراق وحده، بل ما قد يُبنى عليه من روايات مضللة، وما قد تستثمره أطراف لا تريد للبلدين خيراً، لإشعال الفتنة وتسميم علاقة شعبين جمعتهما من الأواصر أكثر مما فرّقتهما الخلافات.
السودان ومصر أكبر من حادثة، وأعمق من حملات التحريض، وأحقّ من أن يُترك مستقبلهما رهينةً للانفعال وسوء التقدير. المطلوب اليوم حقيقةٌ لا تُحجب، وعدالةٌ لا تُساوم، وتنسيقٌ يمنع تكرار المأساة؛ فالعلاقات الراسخة لا تُحمى بإنكار الأخطاء، بل بالشجاعة في مواجهتها، والعدل في معالجتها، والحكمة في احتواء آثارها.