الحوار الأهلي الحر لشعب السودان يُسدل الستار على مرحلته التأسيسية برؤية اقتصادية واجتماعية غير تقليدية

الخرطوم / نسرين نمر شميلة
في خطوة تعكس وعياً عميقاً بضرورة تجاوز الأزمات الهيكلية التي يعاني منها السودان، أسدل الستار اليوم على فعاليات المرحلة الأولى من “الحوار الأهلي الحر لشعب السودان”، تحت شعار: (من الحوار إلى البناء، ومن الاختلاف إلى التوافق، ومن الحرب إلى السلام). ولم يقتصر البيان الختامي للحوار على القوالب السياسية التقليدية، بل طرح أطروحات اقتصادية ونقدية هيكلية بالغة الجرأة والاحترافية، أبرزها ترسيخ “الصيرفة الاجتماعية” كسياسة نقدية قاعدية واعتماد “قاعدة البيانات التأسيسية” كمرتكز للعقد الاجتماعي الجديد.
تجاوز الشعارات إلى الهندسة الاقتصادية والاجتماعية
وجاء التقرير الختامي للحوار متسمًا برصانة نادرة وشفافية مطلقة، إذ اعترف بوجود تحديات واجهت اتساع دائرة المشاركة في بعض مراحله، محولاً هذا التحدي إلى دافع استراتيجي للانتقال بالنقاش من المنصات والمنتديات النخبوية إلى اللجان الفرعية في الولايات والمحليات.
وأعاد البيان صياغة مفهوم “الميثاق الوطني التعاوني للسلام والتنمية” ليخرج به من نطاق الوثائق الشرفية النمطية إلى فضاء الهندسة الاقتصادية العملية، حيث نصت الوثيقة الختامية بوضوح على:
“إن الميثاق الوطني التعاوني للسلام والتنمية ليس غايةً في ذاته، بل هو الإطار الهيكلي لتفعيل الصيرفة الاجتماعية كسياسة نقدية قاعدية تُوجّه التمويل والائتمان رأساً إلى الإنتاج المجتمعي والتعاونيات في المحليات، وحجر الزاوية لبناء قاعدة البيانات التأسيسية التي يُشاد عليها عقدنا الاجتماعي الجديد؛ ضماناً للعدالة في توزيع الثروة والخدمات، وتمكيناً لشعب السودان من إدارة موارده وصناعة سلامه بنفسه.”
الصيرفة الاجتماعية.. نحو سياسة نقدية قاعدية
يمثل تبني “الصيرفة الاجتماعية” في البيان الختامي تحولاً نوعياً في الفكر التنموي السوداني؛ إذ ينتقل بمفهوم المال والائتمان من المركزيات المصرفية المغلقة إلى آليات التمويل الأصغر والإنتاج التعاوني المحلي. ويُنظر إلى هذه السياسة على أنها الأداة النقدية القادرة على حماية المجتمعات المحلية من التهميش الاقتصادي، وتحويل رأس المال المحلي إلى درع يحمي السلم الاجتماعي، مما يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الشراكة الإنتاجية الفعلية لا الاتكال الرعائي.
قاعدة البيانات التأسيسية للعقد الاجتماعي
وعلى الصعيد المؤسسي، وضع الحوار “قاعدة البيانات التأسيسية” كحجر الأساس لأي عقد اجتماعي مستدام. وبهذا التوجه، يقطع الحوار الطريق أمام الحلول الفوقية والارتجالية، مؤكداً أن صياغة الحقوق وتوزيع الثروات والخدمات يجب أن تستند إلى بيانات واقعية ومحسوسة، تُستمد من دراسة الاحتياجات الحقيقية للمجتمعات في مختلف الولايات والمحليات.
آفاق المرحلة القادمة: من القاعات إلى القواعد
أكدت رئاسة الحوار استاذة سامية عبدالحفيظ في ختام أعمالها أن إغلاق هذه المرحلة لا يمثل نهاية المطاف، بل هو إيذان بمرحلة العمل الميداني القاعدي والتواصل المستمر عبر اللجان الفرعية في الولايات. وقد وجّه البيان رسالة ملهمة لكل مواطن سوداني، مفادها أن بناء الوطن لا ينتظر المعجزات الخارجية، بل ينطلق من المبادرات المحلية والتعاون المشترك بين المجتمعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
واُختتم التقرير بالتأكيد على أن السودان المأمول لا يُبنى على أنقاض الانقسامات، بل بسلام يُصنع بالإرادة والتعاون، وتنمية يمتلك المواطن أدواتها وينتفع بثمارها، لتظل الوحدة والعدل والسلام هي الأعمدة الراسخة لمستقبل الأجيال القادمة .
