من البحر الأحمر إلى الشمالية.. اتحاد عام النوبة يقود حراكاً ولائياً لترسيخ الوحدة

من البحر الأحمر إلى الشمالية.. اتحاد عام النوبة يقود حراكاً ولائياً لترسيخ الوحدة وإطلاق حوار يتجاوز الجغرافيا والانتماءات
جولة مجتمعية وسياسية تفتح نوافذ التواصل بين أبناء النوبة، وتؤسس لمرحلة جديدة من الحوار النوبي–النوبي والحوار السوداني–السوداني
بقلم:احمد اسماعيل حسن
في خطوة تحمل دلالات تتجاوز حدود التواصل الاجتماعي واللقاءات التنظيمية، بدأ اتحاد عام النوبة تدشين المرحلة الثانية من جولاته الولائية، التي تستهدف عدداً من ولايات السودان، انطلاقاً من ولاية البحر الأحمر، مروراً بولاية نهر النيل، وصولاً إلى الولاية الشمالية، في حراك مجتمعي ووطني يسعى إلى تعزيز وحدة أبناء النوبة، وتوسيع مساحات الحوار والتواصل، والإسهام في ترميم النسيج الاجتماعي وترسيخ قيم التعايش والتماسك الوطني.
وتأتي هذه الجولة امتداداً لبرنامج التواصل الولائي الذي نفذه الاتحاد خلال مرحلته الأولى، وشمل ولايات الجزيرة وسنار وكسلا، إلى جانب الدمازين والقضارف، في مسعى لتوسيع دائرة التواصل مع أبناء النوبة في مختلف أنحاء البلاد، والوقوف على قضاياهم وتطلعاتهم، وتعزيز حضور الاتحاد باعتباره مظلة جامعة تستوعب التنوع الاجتماعي والثقافي لأبناء النوبة، وتعمل على توحيد رؤاهم تجاه القضايا المشتركة.
من الزيارات البروتوكولية إلى مشروع للحوار المجتمعي
لا تنطلق الجولة المرتقبة من مجرد رغبة في تسجيل زيارات للولايات أو عقد لقاءات مع المسؤولين والقيادات المجتمعية، وإنما تستند إلى رؤية أوسع قوامها الانتقال بالعمل الأهلي والمجتمعي من حالة التواصل التقليدي إلى فضاء الحوار المنظم، وتأسيس جسور الثقة بين المكونات الاجتماعية، وتعزيز المشاركة في معالجة القضايا التي تواجه المجتمعات المحلية.
ويتضمن برنامج الزيارة لقاءً مع والي الولاية، لبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون والتنسيق مع حكومة الولاية، إلى جانب عقد لقاء تنويري مع قيادات ورموز النوبة بالولاية، يستعرض فيه الاتحاد أهداف الجولة وبرامجه المستقبلية، وفي مقدمتها مشروع الحوار النوبي–النوبي ومؤتمر عام النوبة.
كما تشمل الجولة لقاء المكتب التنفيذي لاتحاد النوبة بالولاية، بما يتيح الوقوف على طبيعة نشاطه وتحدياته، والاستماع إلى رؤيته بشأن تطوير الأداء التنظيمي وتوسيع قاعدة المشاركة، فضلاً عن عقد لقاءات مع عدد من رموز وأعيان الإدارات الأهلية والقبائل والمكونات الاجتماعية، في إطار تعزيز التواصل المجتمعي، وتبادل الرؤى حول قضايا الاستقرار والتعايش السلمي ورتق النسيج الاجتماعي.
وتُختتم الزيارة بلقاء جماهيري جامع لأبناء النوبة بالولاية، يمثل المحطة الأبرز في برنامج الجولة، ومنبراً مفتوحاً للتفاكر والتواصل المباشر، واستعراض أهداف الاتحاد ومشروعاته، والاستماع إلى قضايا وتطلعات القواعد، بما يعزز مبدأ المشاركة ويجعل أبناء النوبة شركاء حقيقيين في صياغة مستقبل مؤسستهم.
الحوار النوبي–النوبي.. الوحدة تبدأ من الداخل
ويحتل مشروع الحوار النوبي–النوبي موقعاً محورياً في برنامج الجولة، باعتباره مدخلاً ضرورياً لمعالجة التباينات، وتجاوز الخلافات، وتوحيد الرؤى والمواقف بين مختلف مكونات أبناء النوبة، على قاعدة الاعتراف بالتنوع واحترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.
فالنوبة، بما تمتلكه من إرث تاريخي وحضاري وتنوع ثقافي واجتماعي، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع جامع يعيد ترتيب الأولويات، ويعزز المشترك، ويحول التنوع من مصدر محتمل للاختلاف إلى مصدر للقوة والتكامل.
ومن هنا تأتي الدعوة إلى مؤتمر عام النوبة باعتباره استحقاقاً تنظيمياً ومجتمعياً مهماً، ومنصة جامعة تتيح مشاركة مختلف المكونات والقيادات والفعاليات، وتفتح المجال أمام حوار مسؤول حول مستقبل النوبة وقضاياها، وتؤسس لمرجعية توافقية تعبر عن تطلعات أبنائها وتدعم وحدة صفهم.
من الحوار النوبي إلى الحوار السوداني–السوداني
ولا تقف أهداف الجولة عند حدود البيت النوبي، بل تمتد إلى فضاء أرحب يتصل بمستقبل السودان ووحدته الوطنية، من خلال التبشير بمشروع الحوار السوداني–السوداني الذي دعا إليه رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان.
ويرى الاتحاد في هذا المشروع فرصة لتوسيع دائرة التفاهم الوطني، وفتح مسارات للحوار بين السودانيين بمختلف انتماءاتهم السياسية والاجتماعية والثقافية، وصولاً إلى توافق وطني يعالج جذور الأزمات، ويضع أسساً راسخة للسلام والاستقرار وإعادة بناء الدولة.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما خلفته الحرب من انقسامات اجتماعية وسياسية، وتراجع في الثقة بين المكونات الوطنية، الأمر الذي يجعل الحوار والتواصل المجتمعي ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
فالوحدة الوطنية لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما تتأسس على الاعتراف بالتعدد، واحترام الحقوق، ومعالجة المظالم، وتوفير المنابر التي تتيح للمجتمعات التعبير عن قضاياها والمشاركة في صناعة مستقبلها.
قضايا أبناء النوبة.. حضور في أجندة الجولة
ومن الأبعاد المهمة للجولة اهتمامها المباشر بقضايا أبناء النوبة في الولايات المستهدفة، حيث يسعى الاتحاد إلى الاستماع إلى مشكلاتهم وتطلعاتهم، ورصد التحديات التي تواجه وجودهم ومشاركتهم في الحياة العامة، والعمل على نقل مطالبهم إلى الجهات المختصة، والبحث عن معالجات عملية بالتنسيق مع حكومات الولايات والمؤسسات ذات الصلة.
ويمثل هذا الجانب انتقالاً مهماً من مجرد التواصل الرمزي إلى تبني قضايا المواطنين والدفاع عن مصالحهم المشروعة، وتعزيز حضورهم في محيطهم الاجتماعي والاقتصادي والخدمي، بما يرسخ مفهوم المواطنة المتساوية ويعزز الانتماء الوطني.
جولة لتعزيز التماسك الوطني وإعادة بناء الثقة
إن أهمية هذه الجولة تكمن في توقيتها ومضامينها والرسائل التي تحملها؛ فهي تأتي في مرحلة يحتاج فيها السودان إلى مبادرات مجتمعية جادة تعيد وصل ما انقطع بين مكوناته، وتواجه خطابات الكراهية والاستقطاب، وتعيد الاعتبار لقيم التعايش والتسامح والتضامن الوطني.
كما أن انفتاح اتحاد عام النوبة على رموز وأعيان القبائل والإدارات الأهلية في الولايات يعكس إدراكاً لأهمية الدور الذي تضطلع به القيادات المجتمعية في حماية السلم الأهلي، واحتواء النزاعات، وتعزيز التفاهم بين المكونات السكانية، بعيداً عن الاستقطاب والاصطفافات الضيقة.
وتحمل الجولة كذلك رسالة واضحة مفادها أن النوبة ليسوا جماعة تبحث عن العزلة أو الانكفاء على الذات، وإنما مكون أصيل من مكونات المجتمع السوداني، ينطلق من خصوصيته الثقافية والاجتماعية نحو فضاء الانتماء الوطني الأوسع، ويجعل من وحدة النوبة رافعة لوحدة السودان، ومن الحوار مدخلاً لمعالجة الأزمات وبناء المستقبل.
رسالة تتجاوز الولايات الثلاث
من البحر الأحمر إلى نهر النيل، وصولاً إلى الشمالية، يمضي اتحاد عام النوبة في جولة لا تقاس أهميتها بعدد اللقاءات أو المحطات التي تشملها، وإنما بما يمكن أن تتركه من أثر في بناء الثقة، وتوحيد الصف، وتعزيز الشراكة المجتمعية.
إن الرهان الحقيقي لهذه الجولة يتمثل في قدرتها على تحويل اللقاءات إلى مخرجات عملية، والتواصل إلى شراكات مستدامة، والحوار إلى آليات واضحة لمعالجة القضايا، وصولاً إلى مؤتمر عام للنوبة يمثل محطة فارقة في مسيرة العمل الجامع.
وفي المحصلة، فإن السودان الذي أنهكته الحرب وتداعياتها لا يحتاج إلى مزيد من الجدران بين مكوناته، بقدر ما يحتاج إلى جسور للتواصل والتفاهم. ومن هذا المنطلق، تبدو جولة اتحاد عام النوبة أكثر من مجرد برنامج زيارات ولائية؛ إنها محاولة للإسهام في صناعة مساحة مشتركة تلتقي فيها الهويات المتعددة حول الوطن، وتتصالح فيها المكونات الاجتماعية مع تاريخها وتنوعها، وتتقدم فيها المواطنة على الانتماءات الضيقة.
فحين تتوحد المكونات حول قضاياها المشتركة، وتتسع دوائر الحوار بينها، يصبح بناء الوطن أكثر رسوخاً، وتغدو الوحدة الوطنية مشروعاً يمارَس على أرض الواقع، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.
