مقالات الرأي
أخر الأخبار

حين تنتصر الكفاءة… هل يبدأ الخطر من الداخل؟ بقلم.. إدريس هشابه

حين تنتصر الكفاءة… هل يبدأ الخطر من الداخل؟

بقلم :إدريس هشابه

في لحظات التحوّل الكبرى، حين تضيق الخيارات وتتسع التحديات، لا تُقاس قيمة الدول بما تملكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على إدارة الأزمات وصناعة التماسك من قلب الفوضى. وفي مثل هذه السياقات، تبرز الكفاءة بوصفها صمام الأمان الحقيقي، لا كعنوانٍ دعائي، بل كفعلٍ يومي يُترجم في صمت داخل مؤسسات الدولة.
لقد كشفت تجربة نقل مركز الثقل الإداري من الخرطوم إلى بورتسودان عن طبيعة المعركة غير المرئية التي دارت خلف الكواليس؛ معركة الحفاظ على الدولة من الانهيار، وإعادة ترتيب أولوياتها في ظرف استثنائي. لم يكن ذلك التحول مجرد إجراء إداري، بل كان اختبارًا لقدرة الدولة على التكيّف، وعلى إنتاج بدائل سريعة وفعالة تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي.
وفي هذا الإطار، برزت أهمية إدارة الملفات الحساسة بعقلية مهنية عالية، تجمع بين الدقة والمرونة، وبين السرية والإنجاز. كما كان لإعادة تأهيل مؤسسات الإعلام الرسمي دورٌ محوري، ليس فقط لضمان استمرارية البث، بل لترسيخ حضور الدولة في الوعي العام، وصيانة الروح الوطنية في زمن التصدّع.
غير أن النجاحات في البيئات المعقدة لا تمرّ دون أثمان. فكل تجربة فاعلة تخلق حولها دوائر من الترقب، وربما الاستهداف، خاصة حين تتقاطع المصالح وتضيق مساحات النفوذ. وهنا يبرز الخطر الأعمق: ليس في الخصوم الظاهرين، بل في التآكل الداخلي الذي قد ينشأ من صراعات خفية أو حسابات ضيقة.
هذا المعنى أكده ابن خلدون حين أشار إلى أن الدول تبدأ رحلة أفولها من داخلها، عندما تضعف منظومة القيم ويختل ميزان العدالة. كما ذهب مالك بن نبي إلى أن قابلية الانهيار تنشأ من داخل المجتمع قبل أن تُفرض عليه من الخارج، بينما لخّص أبراهام لنكولن الفكرة بوضوح حين ربط سقوط الأمم بعواملها الداخلية أولًا.
إن الدرس الأهم هنا أن معركة الدولة الحقيقية ليست فقط في مواجهة التهديدات الخارجية، بل في حماية جبهتها الداخلية من التصدّع. فالحفاظ على الكفاءات، وصون التجارب الناجحة من الاستنزاف أو الاستهداف، هو شرط أساسي لبقاء المؤسسات وقدرتها على الصمود.
في المحصلة، لا تُهزم الدول حين تُحاصر من الخارج، بل حين تتفكك من الداخل. وما بين هذين الحدّين، تتحدد مصائر الأمم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى