
جلال الجاك أدول
منبر الكلمة
حين ينسحب العالم: من يحمي أبيي؟
التحذير الأمريكي الأخير بشأن احتمال إغلاق بعثة لا يمكن قراءته كتصريح عابر داخل أروقة مجلس الأمن، بل كإشارة سياسية ثقيلة تعكس تحوّلًا في مقاربة المجتمع الدولي لملف أبيي. فالمسألة لم تعد تتعلق بفعالية بعثة أممية فحسب، بل بجدوى استمرار إدارة الأزمة دون أفق للحل.
على مدى خمسة عشر عامًا، لعبت يونيسفا دورًا حاسمًا في منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في منطقة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الهوية، والسياسة مع التاريخ. غير أن هذا النجاح الأمني النسبي أخفى فشلًا سياسيًا واضحًا لا ترسيم نهائي للحدود، لا اتفاق مستدام لنزع السلاح، ولا حسم لوضع الإقليم.
المعضلة لم تكن يومًا في غياب الآليات، بل في غياب الإرادة. فالسودان ينظر إلى أبيي من زاوية السيادة والحسابات الداخلية المعقدة، بينما يتعامل جنوب السودان مع الملف باعتباره ورقة استراتيجية لا ينبغي التفريط فيها دون مقابل. وفي هذا التوازن الهش، تحولت يونيسفا من أداة مؤقتة للحل إلى عنصر ثابت في إدارة الجمود. أما واشنطن، فهي اليوم تعبّر عن ضيق متزايد من نموذج التمديد بلا نهاية، حيث تُستهلك الموارد دون تحقيق اختراق سياسي. الرسالة الأمريكية واضحة: الاستقرار المؤقت لم يعد كافيًا ما لم يُترجم إلى تسوية دائمة.
أي حديث عن إنهاء البعثة دون ترتيبات بديلة ليس مجرد قرار إداري، بل مخاطرة استراتيجية. فأبيي ليست منطقة مستقرة بذاتها، بل منطقة مُدارة أمنيًا. ومع غياب القوة الأممية، قد تظهر عدة سيناريوهات مقلقة، من بينها تصاعد التوترات بين المجتمعات المحلية خاصة في مواسم الرعي، وظهور فراغ أمني قد تستغله مليشيات مسلحة أو نزاعات قبلية، وتآكل ما تبقى من الثقة بين السودان وجنوب السودان. بمعنى أدق، فإن أي انسحاب غير منظم قد يعيد إنتاج الأزمة خلال أشهر، لا سنوات.
ورغم أن النقاش يدور حول أبيي، إلا أن مجتمعها ظل خارج طاولة القرار. الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الاستقرار في أبيي لا تصنعه القوات الدولية وحدها، بل يصنعه التوافق المحلي. المواطن في أبيي لا يعنيه إن كانت البعثة ستُمدد أو تُغلق بقدر ما يعنيه أن يبقى آمنًا، وأن يكون هناك خدمات ، وألا يُترك لمصيره في صراع أكبر منه.
إذا كان التحذير الأمريكي يمثل لحظة ضغط، فإنه أيضًا يمثل فرصة نادرة لكسر الجمود، لكن ذلك يتطلب تحركًا عمليًا لا بيانات سياسية. المطلوب اتفاق زمني ملزم بين السودان وجنوب السودان لمعالجة القضايا الأساسية، خاصة الترتيبات الأمنية وترسيم الحدود، مع إعادة تعريف تفويض يونيسفا ليكون مشروطًا بمؤشرات أداء واضحة لا تمديدًا مفتوحًا، إلى جانب إشراك مجتمع أبيي في آلية انتقالية للإدارة المحلية بما يعزز الاستقرار من الداخل.
إلى السودان وجنوب السودان، إدارة الأزمة لم تعد خيارًا مستدامًا، والتأجيل لم يعد بلا كلفة. وإلى المجتمع الدولي، فإن الضغط دون مسار سياسي واضح قد يؤدي إلى فراغ أخطر من الجمود. أما مجتمع أبيي، فصوته يجب أن يكون جزءًا من الحل، لا مجرد انعكاس لقرارات الآخرين.
يونيسفا لم تفشل بالكامل، لكنها لم تنجح بما يكفي لإنهاء مهمتها. وبين هذين الواقعين، يقف ملف أبيي اليوم عند نقطة مفصلية إما الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها، أو الانزلاق نحو مرحلة أكثر هشاشة. التحذير الأمريكي ليس إعلان نهاية، لكنه بالتأكيد نهاية لمرحلة الصبر الدولي المفتوح. والسؤال لم يعد هل ستستمر يونيسفا، بل هل يمتلك السودان وجنوب السودان الإرادة لإنهاء الحاجة إليها؟