مقالات الرأي
أخر الأخبار

بين التسريب والنفي الرسمي.. من يملك الحقيقة في ملف تقليص العاملين بالدولة؟ بقلم: احمداسماعيل حسن

بين التسريب والنفي الرسمي.. من يملك الحقيقة في ملف تقليص العاملين بالدولة؟
بقلم: احمداسماعيل حسن

في القضايا العامة ذات التأثير المباشر على حياة المواطنين، لا تكفي بيانات النفي وحدها لإغلاق باب الجدل، كما أن التسريبات والتقارير غير المؤكدة لا ينبغي أن تتحول إلى حقائق نهائية قبل التحقق منها. وبين هذين الطرفين تقف قضية تقليص العاملين بالدولة، التي أثارت خلال الأيام الماضية نقاشاً واسعاً بعد تداول معلومات عن توصيات تقضي بإعفاء ما يصل إلى 60% من العاملين بالمؤسسات الاتحادية والهيئات والشركات العامة.
ما يزيد من أهمية القضية أن المعلومات المتداولة لم تأتِ في شكل شائعات عابرة، وإنما استندت إلى ما قيل إنه تقرير أعدته لجنة رسمية ورفع إلى الجهات المختصة، متضمناً أرقاماً وتفاصيل حول أعداد العاملين المستهدفين وتكلفة إنهاء الخدمة وآليات التنفيذ المقترحة. وفي المقابل، خرج رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بنفي قاطع لوجود توصية أمام مجلس الوزراء بإعفاء هذه النسبة من العاملين، مطالباً بتحري الدقة والمصداقية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا لم تكن هناك توصية أمام مجلس الوزراء، فهل يعني ذلك عدم وجود لجنة أو عدم وجود دراسة؟ أم أن اللجنة موجودة بالفعل وقد رفعت مقترحاتها إلى مستويات أخرى لم تصل بعد إلى مرحلة اتخاذ القرار؟ الفرق بين الحالتين كبير، وهو ما يستدعي توضيحاً رسمياً أكثر تفصيلاً.
إن جوهر الأزمة لا يتمثل في وجود لجنة أو عدم وجودها، وإنما في غياب المعلومات الكافية التي تمكن الرأي العام من فهم حقيقة ما يجري. فالتقارير المتداولة تتحدث عن أرقام ضخمة تشمل عشرات الآلاف من العاملين في قطاعات استراتيجية مثل الكهرباء والموانئ والطيران والإعلام والخدمات الطبية، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بحياة المواطنين وبقدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
كما أن التناقض الظاهر بين النفي الرسمي واستمرار الحديث عن لجان ودراسات ومراجعات إدارية يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة الإصلاح المطلوب. فهل الهدف هو معالجة الترهل الإداري وتحسين الكفاءة وخفض الإنفاق الحكومي؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى إعادة هيكلة واسعة للخدمة المدنية؟ وإذا كان الإصلاح ضرورياً، فما هي المعايير التي ستعتمد لضمان العدالة والحفاظ على الكفاءات والخبرات الوطنية؟
التجارب السابقة في السودان أظهرت أن أي قرارات واسعة تتعلق بالخدمة المدنية تظل محاطة بحساسيات سياسية واجتماعية كبيرة. لذلك فإن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يعتمد فقط على سلامة أهدافه، بل أيضاً على وضوح إجراءاته وشفافيته وإشراك أصحاب المصلحة في مناقشته.
ومن هنا فإن المطلوب من الحكومة ليس مجرد النفي أو التأكيد، وإنما تقديم رواية متكاملة للرأي العام توضح حقيقة اللجان المشكلة، وطبيعة الدراسات التي أُنجزت، وما إذا كانت هناك بالفعل توصيات تتعلق بإعادة هيكلة الجهاز الحكومي، وما هي الضمانات الموضوعة لحماية الحقوق الوظيفية للعاملين.
في النهاية، فإن المواطن لا يبحث عن صراع بين تسريب ونفي، بل يبحث عن الحقيقة. والحقيقة في مثل هذه الملفات لا تتحقق إلا بالشفافية الكاملة، لأن الغموض يفتح الباب للشائعات، بينما الوضوح وحده هو القادر على بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.
إن قضية بهذا الحجم تستحق حواراً وطنياً مسؤولاً، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، حيث تصبح المحافظة على الاستقرار الإداري والمؤسسي جزءاً أساسياً من معركة بناء الدولة وإعادة الإعمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى