روسيا وباكستان في مجلس الأمن.. قراءة مختلفة لحرب السودان ورفض لمعادلة «الطرفين المتساويين

روسيا وباكستان في مجلس الأمن.. قراءة مختلفة لحرب السودان ورفض لمعادلة «الطرفين المتساويين»
مواقف موسكو وإسلام آباد تعيد التأكيد على أن أزمة السودان لا يمكن اختزالها في صراع بين طرفين متكافئين.. والسيادة الوطنية خط أحمرتقرير:احمد اسماعيل حسن
في وقت تتواصل فيه الحرب في السودان وسط واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية التي شهدتها البلاد، برزت داخل مجلس الأمن الدولي مواقف دولية تستحق التوقف عندها، ليس فقط من زاوية الدعوة إلى وقف الحرب، وإنما من حيث كيفية توصيف الصراع وتحديد أطرافه والمسؤوليات المترتبة عليه.
وفي هذا السياق، جاءت مواقف روسيا وباكستان لتطرح رؤية تختلف عن الخطاب الذي يحاول وضع القوات المسلحة السودانية واقوات الدعم السريع المتمردة في كفة واحدة، وكأن السودان يواجه حرباً تقليدية بين جيشين متساويين في الشرعية والمشروعية.
والواقع أن جوهر الأزمة، كما تؤكده طبيعة الدولة والقانون الدولي، يتعلق بتمرد قوة مسلحة على الدولة ومؤسساتها، في مواجهة القوات المسلحة السودانية باعتبارها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة والمسؤولة عن حماية سيادتها ووحدة أراضيها.
موسكو.. السيادة السودانية قبل الوصاية الدولية
الموقف الروسي داخل مجلس الأمن يمثل أحد أبرز المواقف التي أكدت أهمية احترام سيادة السودان وعدم تحويل الأزمة الداخلية إلى مدخل لفرض ترتيبات دولية على الدولة السودانية.
فروسيا سبق أن استخدمت حق النقض في نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار بريطاني ــ سيراليوني بشأن السودان، مؤكدة أن معالجة الأزمة ينبغي أن تتم من خلال الحوار بين السودانيين، وأن فرض حلول من الخارج لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الوطنية. وقد اعتبرت موسكو أن محاولة فرض ترتيبات على السودان من خلال مجلس الأمن تمثل تدخلاً في شؤونه الداخلية.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة عندما توضع في سياق الدعوات التي ظهرت خلال السنوات الماضية إلى فرض مناطق حظر جوي أو ترتيبات دولية أكثر تدخلاً؛ إذ إن إقامة منطقة حظر جوي ليست إجراءً إنسانياً محضاً بالضرورة، وإنما قد تتطلب استخدام القوة العسكرية لفرضها، كما حدث في حالات دولية سابقة.
ومن هنا يمكن فهم التحفظ الروسي على أي مقاربة قد تفضي إلى تدويل الحرب أو الانتقال من دعم السلام إلى فرض الوصاية على الدولة السودانية.
باكستان.. أهمية التمييز بين الجيش والدعم السريع
وفي المقابل، حمل الموقف الباكستاني أهمية خاصة، لا سيما مع الدعوة إلى عدم التعامل مع أطراف الأزمة بمنطق التسوية الحسابية التي تضع الجميع في خانة واحدة.
وفي جلسات مجلس الأمن المتعلقة بالسودان، برز موقف باكستان الداعي إلى اتخاذ إجراءات تراعي الفارق بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهو موقف يكتسب أهميته من حقيقة أن التعامل مع الأزمة السودانية لا ينبغي أن يتجاهل طبيعة المؤسسات الشرعية للدولة.
وهنا تكمن القضية الجوهرية:
ليس المطلوب أن يُمنح الجيش السوداني حصانة من النقد أو المساءلة، وليس المطلوب كذلك إنكار الانتهاكات التي قد تقع من أي طرف؛ وإنما المطلوب هو رفض التسوية السياسية والقانونية بين مؤسسة الدولة وبين قوة متمردة عليها.
فالجيش مؤسسة وطنية رسمية، بينما الدعم السريع قوة مسلحة دخلت في مواجهة عسكرية مع الدولة ومؤسساتها. ولذلك فإن استخدام تعبير «طرفي الحرب» بصورة مجردة قد يكون مضللاً إذا أدى إلى إسقاط الفارق بين الشرعية المؤسسية للدولة وبين التمرد المسلح عليها.
روسيا والفيتو.. رسالة تتجاوز لحظة التصويت
لم يكن استخدام روسيا لحق النقض في مجلس الأمن مجرد موقف إجرائي عابر، وإنما حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن معالجة الأزمة السودانية يجب ألا تتحول إلى ذريعة لتجاوز سيادة الدولة.
وفي نوفمبر 2024 كانت روسيا الدولة الوحيدة التي صوتت ضد مشروع القرار البريطاني ــ السيراليوني، بينما أيده باقي أعضاء المجلس، وقد ربطت موسكو موقفها بضرورة أن يكون الحل سودانياً، وحذرت من فرض إرادة أعضاء المجلس على السودانيين.
وهذه الرسالة تصبح أكثر أهمية اليوم، في ظل استمرار الحرب وتزايد الضغوط الدولية بشأن العقوبات وحظر السلاح.
ففي جلسة أغسطس 2026 الأخيرة، برز خلاف داخل مجلس الأمن حول مقترح توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان بأكمله، حيث أبدت روسيا والصين تحفظات على توسيع الإجراءات، بينما دعت الولايات المتحدة إلى تشديد القيود، فيما شددت مصر وباكستان على ضرورة التمييز بين الجيش السوداني والدعم السريع.
لا للحرب.. ولا للمساواة بين الدولة والتمرد
إن الوقوف إلى جانب الدولة السودانية لا يعني الدعوة إلى استمرار الحرب، كما أن رفض المساواة بين الجيش والدعم السريع لا يعني رفض السلام.
على العكس تماماً؛ فإن السلام الحقيقي يبدأ من توصيف صحيح للأزمة.
فلا يمكن بناء تسوية مستدامة على افتراض أن السودان أمام نزاع بين مؤسستين عسكريتين متساويتين في الشرعية، وإنما أمام دولة تواجه تمرداً مسلحاً، مع وجود ضرورة سياسية وأخلاقية وقانونية لإنهاء الحرب وحماية المدنيين ومعالجة جذور الأزمة.
ومن هنا، فإن أي عملية سلام جادة ينبغي أن تقوم على ثلاث ركائز:
أولاً: احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية.
ثانياً: حماية المدنيين ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن انتهاكات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، دون انتقائية أو ازدواجية.
ثالثاً: الوصول إلى تسوية سياسية تنهي ظاهرة السلاح خارج مؤسسات الدولة، وتعيد احتكار الدولة للقوة المسلحة وفق ترتيبات وطنية متفق عليها.
موقف دولي يستحق القراءة
تكشف مواقف روسيا وباكستان داخل مجلس الأمن أن هناك مساحة دولية لا تزال ترى أن معالجة الأزمة السودانية لا ينبغي أن تتحول إلى مشروع لإعادة هندسة الدولة من الخارج.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات إلى العقوبات وتوسيع حظر السلاح، فإن السؤال الأهم يجب أن يكون:
هل تساعد هذه الإجراءات على إنهاء التمرد وإعادة بناء الدولة، أم أنها قد تؤدي إلى إضعاف المؤسسة العسكرية الرسمية في الوقت الذي تواجه فيه قوة مسلحة خارجة على الدولة؟
فأي سياسة دولية تمنع الدولة من امتلاك أدوات الدفاع عن سيادتها، بينما لا تنهي قدرة الجماعات المسلحة على الحصول على السلاح، قد تنتج اختلالاً خطيراً في ميزان القوة بدلاً من أن تقود إلى السلام.
الخلاصة
إن الموقفين الروسي والباكستاني يقدمان، بدرجات مختلفة، زاوية مهمة لفهم الحرب السودانية: ضرورة احترام سيادة السودان، وعدم اختزال الأزمة في معادلة ميكانيكية تساوي بين الجيش الوطني والقوة المتمردة، مع التأكيد في الوقت ذاته على حماية المدنيين وضرورة الوصول إلى السلام.
وليس المطلوب من المجتمع الدولي أن يختار بين الحرب والسلام؛ بل أن يساعد السودان على الوصول إلى سلام يحفظ الدولة ولا يهدمها، وينهي التمرد ولا يكافئه، ويحمي المدنيين ولا يجعلهم وقوداً للصراع، ويضع السلاح في يد الدولة وحدها باعتبارها الإطار الطبيعي لحماية الوطن وسيادته.
وهنا تحديداً تتجاوز مواقف موسكو وإسلام آباد حدود التصويت في مجلس الأمن، لتطرح سؤالاً جوهرياً أمام المجتمع الدولي:
هل يكون الحل في السودان عبر تقوية الدولة واستعادة مؤسساتها، أم عبر إضعافها ومساواتها بمن حمل السلاح ضدها؟
والإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، طبيعة السلام الذي يمكن أن يولد من رحم هذه الحرب.