اخبار محلية

النفاق الاجتماعي عند بروست: لماذا يتغير سلوك الناس باختلاف مكانتهم؟

 

في إحدى ليالي الشتاء الباريسية، يصل راوي رواية “البحث عن الزمن المفقود” إلى مطعم فاخر بانتظار صديقه الأرستقراطي الماركيز دي سان لوب. نظرا لوصوله المبكر ومظهره غير المألوف للعاملين، يتعرض الراوي لسلسلة من المعاملات المهينة من مدير المطعم، الذي يحكم عليه انطلاقا من معطفه الرث واسمه المجهول. يُعزل الراوي في طاولة تتعرض لتيارات الهواء البارد، ويُقابل ببرود وتأخير متعمد في تقديم الخدمة، باعتباره شخصا عاديا لا يستحق درجة من العناية أو الاحترام.

 

تتغير هذه المعاملة بمجرد دخول الماركيز دي سان لوب إلى المطعم واعترافه بصداقة الراوي. يتحول مدير المطعم في لحظة خاطفة إلى شخصية متملقة، يوزع الانحناءات، ويعرض أفضل الأطباق بلغة متأنقة، مقرنا كلماته بابتسامات متوددة وإيماءات مبالغ فيها، وكأنه يحاول تعويض إهماله السابق بسيل من الاحترام يصل إلى حد مناداة الراوي بألقاب نبيلة لا يملكها.

 

يستخدم مارسيل بروست هذه الحادثة عدسة مكبرة لتشريح الآلية السيكولوجية للمتغطرسين، الذين يفتقرون إلى معيار قيمي مستقل لتقييم البشر. يبرهن بروست من خلال تحول مدير المطعم على أن النفاق الاجتماعي يعتمد على تقييمات خارجية وسطحية، إذ يُتغاضى عن الخصائص الجوهرية للفرد لصالح الهالة الاجتماعية التي تحيط به. تكشف هذه المفارقة هشاشة الروابط الإنسانية في المجتمعات التي تحكمها المظاهر، وكيف تُختزل قيمة الإنسان في نطاق ضيق تحدده مسمياته الوظيفية أو علاقاته بالأشخاص النافذين.

 

تضعنا مفارقة بروست أمام حقيقة اجتماعية، تتمثل في إدراك الفرد أن كثيرا من الاحترام الذي يتلقاه لا يُوجه لشخصه لذاته، بل للمكانة التي يشغلها في التسلسل الهرمي. يفرض هذا الواقع على الأفراد الانخراط في اللعبة الاجتماعية واكتساب مظاهر القوة والنجاح، تجنبا للوقوع فريسة للتهميش في عالم يربط استحقاق المعاملة الإنسانية بشارات الأهمية التي يحملها المرء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى